|
|
|||||||||
|
الصفحة الرئيسية | بطاقة التعريف | صحف أبي اليقظان | مؤلفات أبي اليقظان | ماكتب عن أبي اليقظان | |
|||||||||
|
أصدقاء أبي اليقظان | عائلة أبي اليقظان | صور من بلادي | مواقع تهمك | اتصل بنا| |
|||||||||
|
رؤية أبي اليقظان إبراهيم الشعرية د. أحمد رحماني
توطئة: من الشعراء من يرى الكون بحسه هو، ومنهم من يراه تقليدا لغيره، ومنهم من يراه بكل جوارحه الظاهرة منها والباطنة، وهذا أفضل الشعراء، ومن هنا حصل الاختلاف في الرؤى الشعرية. إذ تختلف رؤى الشعراء للكون والحياة وباختلاف بنياتهم الفكرية والنفسية والروحية باختلاف قدراتهم ومواهبهم الفطرية، لذلك نجد من الشعراء من يرى الكون من خلال حس غيره وبنيته الفكرية والنفسية والروحية، وهؤلاء من أَرْدَإِ الشعراء؛ لأن أدبهم الذي ينتجون يقوم على التقليد ويقف دون الإبداع والتوليد، وهذا النوع من الشعراء كثير، وفي الغالب الأعم يكون مؤشرا من مؤشرات السقوط الحضاري للأمة والانهيار الأدبي للشعوب، وهذا ما يلاحظ في أدب العصر الحديث ولا سيما التغريبيين. وقد نجد من الشعراء من يرى الكون بحسه هو، ولكن زاوية النظر التي يرى الكون من خلالها لا تكاد تتجاوز الحسن الظاهر، فتراه يعمد إلى تصوير الواقع الذي يراه، ويعجز عن تفسيره وتعليل حركته، لأنه لا يملك القدرات التي تسعفه على تخطي الحواجز واختراق الحجب المادية التي تعطل رؤيته للكون لافتقاره إلى النظرة القلبية والروحية التي تملك تلك القدرة العجيبة التي تمكن الشعر والشاعر من الغوص في أعماق الأشياء والإنسان والكون والحياة لتعرف كنهها وتسبر أغوارها. وهذا النوع من الشعراء وصّاف للظاهر، وقاف عند السطوح، لكنه لا يتجاوز ذلك إلى اللبّ والباطن، ومن هنا تراهم لا يدركون "الجمال" إلا في الصورة الظاهرة للواقع أو الطبيعة أو الكون ولاشك أن إدراك الطبيعة وجمالها بهذا الشكل المسطح مذموم لدى كبار المنظرين لمسائل الجمال في الفكر الإسلامي، مثل الغزالي وابن قيم الجوزية، وفي الفكر الغربي مثل هيجل. إن أبا حامد الغزالي كان يرى أن الجمال ينقسم إلى جمال الصورة الظاهرة المدركة بعين الرأس وإلى جمال الصورة الباطنة المدركة بعين القلب ونور البصيرة، والأول يدركه حتى الصبيان والبهائم أما الثاني فيختص بدركه أرباب القلوب ولا يشاركهم فيه من لايعلم إلا ظاهرا من الحياة الدنيا. وإن ابن قيم الجوزية كان يرى أن: ((الجمال الباطن يزين الصورة الظاهرة وإن لم تكل ذات جمال)). وإن هيجل كان يرى أن: ((الإدراك الحسي البحت هو أسوأ إدراك وأقله ملاءمة للروح وهو يكمن بصورة رئيسية في النظر، في السمع، في الإحساس)). كل هذه الآراء تؤكد قلة شأن الرؤية الشعرية والجمالية التي تقف عند مجرد الظاهر وتعتمد -فقط- على الحس في تصوير الطبيعة ووصف الواقع، ولكن ذلك لا ينبغي أن يكون لهذا النوع من الرؤى الفنية قيمتها في الحياة، غير أن أصحابها لا يملكون ما يرفعهم لدرجة أعلى، ويعينهم على إدراك أعمق. فنحن نجد نوعا ثالثا من الرؤى الشعرية يتميز أصحابها بعمق النظر، لأنهم يرون الكون والواقع والإنسان والطبيعة في أوضح الصور، ويدركون أعماق كل شيء إدراكا مكينا، فهؤلاء هم أرباب القلوب الذين يختصون بدرك الأشياء والناس والكون بالبصيرة والبصر معا يقول الغزالي: ((كل جمال وحسن فهو محبوب، والصورة ظاهرة وباطنة، والحسن والجمال يشملهما، وتدرك الظاهرة بالبصر الظاهر و الصورة الباطنة بالبصيرة الباطنة))، وأحسب أن هذا الصنف هو المستثنى في آية الشعراء. ومعنى ذلك أن مستوى الإدراك يختلف باختلاف مجموعة من العوامل منها الفطري ومنها المكتسب، وعلى أساس هذا الاختلاف في القدرات تختلف الرؤى الشعرية بساطة وعمقا واتجاها، ويعظم هذا التفاوت بين الرؤى إلى أن يصل إلى درجة تصبح المقارنة بين الأنماط الشعرية نوعا من السذاجة. وقد عملت العقيدة الإسلامية على تعميق رؤى معتنقيها كما عملت على إعطائها تصورا متميزا عن تصورات غير معتنقيها تمييزا واضحا سواء على المستوى التنظيري أو على المستوى التعبيري، يقول سيد قطب: ((لقد رفع الإسلام ذوق المجتمع الإسلامي وطهّر إحساسه بالجمال فلم يعد الطابع الحيواني للجمال هو المستحب بل الطابع الإنساني المهذب، وجمال الكشف الجسدي جمال حيواني يهفو إليه الإنسان بحس الحيوان، مهما يكن من التناسق والاكتمال، فأما جمال الحشمة فهو الجمال النّظيف الذي يرفع الذوق الجمالي ويجعله لائقا بالإنسان، ويحيطه بالنظافة والطهارة في الحس والخيال)). وقد كان الشاعر -إبراهيم أبو اليقظان (1888-1973)- أحد هؤلاء الشعراء الذين تميز حسهم النقدي والتعبيري على حد سواء بأن صبغ برؤية إسلامية عميقة يدرك بها العلاقات الخفية والظاهرة بين الأشياء والناس والأفكار فيصوغها صياغة نظرية أو تعبيرية لها مذاق خاص، قال عنها عبد الحميد بن باديس وهو بصدد تقديم أحد دواوينه: ((هو الرجل الذي يجعل قلبه ولسانه في صف واحد فلا ينطبق هذا إلا بوحي ذاك ولا يشعر ذلك إلا وترجم عليه هذا وإن تكلم في موضوع محلي فأنت ترى تلك الروح الوثابة الحساسة تتجلى على كل مصراع، بل ربما على كل كلمة من كلماته)). وقد تتبعت رؤيته الشعرية والنقدية تتبعا أوليا فوجدت رؤيته -فعلا- كما وصفها الشيخ عبد الحميد بن باديس، رؤية تخلو من التناقض وتتجلى بروح واحدة في جميع الموضوعات والأغراض التي كان له فيها شعر، فرؤيته كانت دائما رؤية إسلامية طاهرة من أي غبش فكري هجين كالذي نجده عند كثير من الشعراء الذين وقعوا تحت الضغط الفكري والإيديولوجي والنفسي الذي مرت به ولا تزال تمرّ به الثقافة في العالم الإسلامي كله. ولكي نعطي هذا الحكم معناه العلمي علينا أن نسبر معا أغوار شعره مبتدئين الحديث عن البعد العقدي ثم السياسي ثم الإصلاحي لنصل إلى الأسلوب التفسيري المتبع في تفسيره لكل تلك القضايا والأبعاد. لكن قبل ذلك كله لابد أن ندخل من خلال رؤيته النقدية لمهمة الشعر في الحياة الإنسانية لأن الوقوف على المعرفة النظرية عند شاعر ما، والوقوف على الطرق المتبعة في فهمه للحياة وطرق التعبير الشعري عنها يعين الدارس على توجيه النص الشعري توجيها سليما وعلميا إلى حد كبير. أولا: رؤية الشاعر النقدية لمهمة الشعر: حينما عرف أبو اليقظان الشعر تجنب التعريفات التي تنصب على شكل الشعر مثلما فعل قدامة بن جعفر أو ابن طباطبا، بل تجنب حتى التعريفات التي تنبثق عن مفهوم الصورة كما الحال مع الجاحظ أو مفهوم الشعور كما عند ابن وهب، تجنب كل ذلك ليعرف الشعر من زاوية "الرؤية الشعرية" حينا والروح الشعرية أخرى، والمقاصد والأغراض ثالثة، وذلك كله دون أن ينسى وحي الخيال. فهو حين يعرف الشعر بقوله: ((الشعر قالب عليه تسبك أغراض الإنسان وتصاغ غاياته وتفرغ مراميه))، لم يكن يضع نصب عينيه الجوانب الشكلية للشعر وإنما كان يركز على "المقاصد الإنسانية"، وقد يتبادر إلى الذهن أول الأمر التساؤل التالي: ما هي هذه المقاصد؟ وهل تكون واحدة لدى الإنسانية أم متغيرة بتغير الرؤى والمناهج والأعراف؟ حقا إن أبا اليقظان لم يفصح عن مراده هنا ولكن الأقرب إلى منطق أن تكون المقاصد التي يعنيها هي المقاصد والأغراض التي تشكل الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه الفكر الإسلامي كله وهي مقاصد الشريعة التي حددها قديما الشاطبي في دائرة: حفظ الدين من جانب الوجود وحفظ النفس والعقل والنسل والمال من جانب الوجود والعدم. ومهما يكن المراد من "المقاصد والأغراض" التي ينبثق منها تعريفه للشعر فإن توجيه شعره ينبغي أن ينطلق من هنا، بغض النظر عن كون المقاصد التي يعنيها هي هذه أم المقاصد التي رسمت من بعد في نظرية الشعر عند طودوروف أو توماشفسكي. إن الأمر لايتغير كثيرا لأن المهم عندنا هنا هو تحديد زاوية النظر لأبي اليقظان أهي جمالية إصلاحية أم جمالية جمالية؟ ثم تحديد نظرية المقاصد الشعرية. إنه يعرف الشعر مرة أخرى بقوله: ((هي تلك الروح التي يودعها الشاعر في خلال بيته بقوى بيانه الساحر فيدخل بدون إذن في آذان السامعين فينفذ إلى قرارة نفوسهم فيكون فيها إحساسا رقيقا وشعورا حيا فتتدارك مافاتها من عز وسؤدد ويضرب على أوتار قلوبهم فتهتز لنبراتها أعصابهم وتشتعل بنيران الحماس أدمغتهم فتتسابق إلى الامتثال جوارحهم، ذلك هو الشعر وهذه ثمراته، وكل ما كانت هذه آثاره فهو شعر سواء أكان نظما أم نثرا ومالا فلا، والشاعر بالمعنى الأول يعد شاعرا حقيقة وبالمعنى الثاني يسمى ناظما وليس من [الشعر] في شيء)). إن مفهوم الشعر هنا يتحدد بالرسالة التي يؤديها لا بالشكل الذي يظهر به لأن الشكل طعم وسحر من وظيفته فتح الشهية للتلقي أمّا ما بعد ذلك فهو الرسالة التي يحملها، فإن كوّن في النفوس إحساسا رقيقا وشعورا حيّا فانطلقت لتتدارك الشرف والعزّ والسؤدد فهو الشعر بغض النظر عن الصورة التي يظهر بها، فالأساس في تمييز الشعر من غير الشعر هو الفاعلية وليست الصيغة. إن فهم الشعر من جهة الرسالة الفاعلية والمقاصد والغايات والمرامي قد أدى إلى أمر آخر مهم في تحديد الرؤية عند أبي اليقظان وهو أن الشعر نور، وله عندئذ فاعلية النور، بحيث يملك قوة إزالة الحجب أمام البشرية لترى الكون والحياة على حقيقتهما: ((الشعر في نفس الشاعر نور، مثل نوره كمشكاة... يرسل أشعته من نافذتها فيضىء بها بطون الليالي المقبلة مدى العصور)). ولا شك أن كشف الحجب عن الكون والحياة هنا من شأنه أن يحيل بالضرورة إلى مسألة هامة هي الرؤية المستقبلية للأدب. حيث يصبح الشعر بمقدوره أن يزيل أحيانا الغموض على بعض الأحداث، وهذه في الواقع هي سمة الشعر الإسلامي الذي كما حدده غارودي بقوله: ((الأدب الإسلامي الذي كان يشكل الشعر الجزء الأساسي فيه هو شعر تنبؤي قرآني في جوهره)). ومعنى كل ذلك أن أبا اليقظان كان قد اهتدى لمفهوم دقيق للشعر يحدد الماهية من خلال الوظيفة، ويحدد الوظيفة من خلال التصور، ويجدد التصور من خلال الإيمان، لأن الإيمان في النهاية هو الذي يضيىء كما تقول ندوة الأدب التي عقدت بأروبا بحضور الناقد الكبير ت.س. اليوت سنة 1935م. ولاشك أن الذي يجعل الأدب كذلك هو كون رؤية الفنان للحقيقة هي وليدة الامتزاج الحقيقي المباشر بين قلب الفنان وعقله من ناحية ومظاهر الحياة من حوله من ناحية أخرى، ذلك لأن الخيال الشعري يركب بواسطة المزج بين المعطى الفكري والمعطى العاطفي الواقعي والتاريخي صورة تملك قوة الاعتبار من حال واقعة إلى حال مستقبلية يشوبها شيء من الغموض. إن "الإيمان الذي يضيىء" هو نقطة الانطلاق في تحديد مفهوم الشعر عند أبي اليقظان، وآية ذلك أنه حينما يحدد الشعر الصالح ليميزه من نقيضه وهو الشعر الفاسد يرى أن: ((ذلك ليس ناشئا عن الشعر نفسه وإنما ينشأ عن ضعف الإيمان وقلة اليقين))، بل إن آية ذلك هو الربط بين الشعر والفطرة السليمة، فالشعر عنده فطرة فطر الله الناس عليها ونعمة جزيلة ما أسبغها عليهم إلا لتحقيق الأغراض الشريفة والمقاصد النبيلة، فاستعمالها في غير ما خلقت لها كفران وجحود للنعمة واستعمال لقوة هائلة ضد المصلحة، وعوض أن يستعملها الشعراء جميعا في منفعة أنفسهم ومنفعة أمتهم فقط أخطأ بعضهم واستخدمها في مضرتهم جميعا فأصبحوا بذلك جناة على المجتمع كما أنهم جناة على تلك الفطرة نفسها. من خلال هذا المفهوم النظري لروح الشعر ورسالته في الحياة، وهو مفهوم يتميز عن غيره من المفاهيم التي ألفناها عند كثير من النقاد يمكن أن ندخل إلى الرؤية الشعرية لهذا الشاعر. ثانيا: رؤيته الشعرية للكون والحياة: فهم الشاعر للمكونات الأساسية للكون والحياة وعلاقة هذه المكونات بخالقها ومبدعها الأول هو الذي يحدد رؤيته الشعرية، ومن ثم كان الفرق واضحا بين رؤية العالم كما يحددها لوسيان قولدمان، ورؤية الكون كما يحددها التصور الإسلامي لكن في جميع الأحوال يكون المنظور الذي يكتب منه الفنان عمله هو الذي يحدد رؤيته للعالم. وبمقدار ما تكون هذه الرؤية ارستقراطية أو بورجوازية أو بروليتارية أو ملحدة أو مؤمنة بقدر ما يكون فنه مصطبغا بتلك الصبغة، وقد استطاعت بعض الدراسات الإسلامية الجديدة التي تنطلق من الرؤية الأدبية أن تبين بحق مسايرة الشاعر محمود حسن إسماعيل لخصائص الرؤية الإسلامية في الأدب وتفرد رؤيته الإسلامية في تأملاته الغيبية والنفسية متخذا في ذلك وسائل غير وسائل الصوفيين. من هنا نتساءل: فيم تتمثل رؤية الشاعر أبي اليقظان؟ وما طبيعتها؟ وما خصائصها؟ حقا إن الشيخ عبد الحميد بن باديس حين قدم ديوان أبي اليقظان كان قد وضع أصبعه على نقطتين هامتين في هذا المقام هما: صدق الشاعر إذ كان "يجعل قلبه ولسانه في صف واحد" وإخلاصه للإسلام إذ هو "مسلم أخلص لله دينه، يجعل الإسلام في الصف الأول من كل أعماله، وهاتان النقطتان تحددان في الواقع المنظور الشعري للشاعر، إذ تنسحب هذه الصفات على كل شعره لأنها تنبثق من رؤيته العميقة، أي من البؤرة النفسية التي تجتمع فيها كل مكونات الشخصية. ولبيان ذلك لا محيد من أن نتوقف عند عدة مسائل تعد محطات أساسية في الرؤية الشعرية للشاعر هي: مفهوم الإسلام وعقيدة المسلم: ينطلق هذا المفهوم من "التوحيد" ومن خلاله تشعّ بقية الأفكار الجزئية التي تحدد "مفهوم الإسلام"، فهو حينما ينشد بمناسبة تحويل الكنائس إلى مساجد سنة 1962 قصيدته "تطهير بيوت الله" قائلا:
فإنما يعطي كان يحدد الفعل الثوري من المنطلق التوحيدي ويعطي الصراع بين الشعب والمستعمر (المستدمر) بعدا عقديا محددا يتمثل في "قولة التوحيد" إذ بها يأخذ الصراع معناه المقدس، فتصبح مصارعة أهل الكفر والصلبان والمتمسحين بالصليب -نشدانا للعزة في غير موضعها- هي المصارعة المقدسة التي يقبل عليها المرء وهو يشعر بأنه يقوم بالواجب الذي يستحق بسببه النصر وإنجار الوعد الرباني في تحطيم الطغيان. والشاعر حينما يجعل نواة المنطق الفعلي هي "قولة التوحيد" ويبني عليها بعد ذلك السلوك البشري في مستوياته العليا والدنيا على حد سواء، فإنما يفعل ذلك بناء على سنة من سنن الله في إقامة السلطان وإدمة الملك وأو زلزلته . فالعدو لم ينهزم لأن الجيوش الإسلامية كانت أقوى عدة وعتادا وإنما انهزم لأن كلمة "الله أكبر" أقوى من كل قوة، وعليه فإن الطغيان قد حطم بالكلمة الصادقة قبل أن يحطم بالمدفع والدبابة، وفي ذلك في الواقع صياغة لمعنى قول الله تعالى: }وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى{ ويتجلى ذلك في قوله: والله حفكم بنصر كامل وبفضله حطمتم العدوانا فما يحدث من هزائم أو انتصارات لا يخضع دائما لقانون السببية في مستواه المادي الذي نفسر فيه النتائج دائما بمقدمات مادية، لأن لله في خلقه شؤونا نجهلها متى كان تفسيرنا للأحداث في غياب الوعي الروحي، لأن هذا الوعي حينما يحضر بخصائصه في أمة يصبح للتفسير التاريخي معنى مختلفا، نراه بارزا في غزوة حنين التي أعجب فيها القوم بقوتهم فانهزموا: }ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين{. في مثل هذه الحادثة يتوقف تفسير الأحداث في صوء القانون المادي للأسباب، ليظهر القانون الروحي، ولذلك وجدنا رسول الله e ينادي وهو في المعركة والقوم فارون "أصحاب العقائد" بصفة خاصة يقول الغزالي: ((لقد هداه الحق أن يهتف بأصحاب العقائد ورجال العقائد عند الصدام فهم وحدهم الذين تنجح بهم الرسالات وتفرج الكروب، أما هذا الغثاء من العوام الحراص على الدنيا، السعاة إلى المغانم فما يقوم بهم أمر أو تثبت بهم قدم)). إن الشاعر أبا اليقظان كان إذن ينطلق في رؤية عقدية توحيدية تجعل من التوحيد النواة التي تنبثق عنها تصرفات وسلوكات البشرية في الصغير من أمرها والكبير. تلك هي القاعدة الأساسية في تصور الشاعر ورؤيته، ولكن ذلك لا يهمش جوانب هامة في هذه الرؤية، إذا يعد التمسك بكتاب الله وسنة رسوله أساسا من أسس استمرار في قصيدة "حياة النبي e يتساءل تساؤلا العارفين:
وهو تساؤل -كما ترى- يحمل دلالة عميقة لأنه السؤال الذي طرحه غير واحد من كبار مفكري السؤال الذي إما بصيغة: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ وإما بصيغة: أين الخلل؟. فهذه الأسئلة الكبرى كلها تنشد طريق النهضة ومنهج العودة إلى دولة العز التي لم يعرف التاريخ في أي لحظة من لحظاته دولة رضي الله عليها وصرح بذلك بما لا يدع مجالا للشك كما رضي عن تلك الدولة المحمدية التي وصف بناتها بأنهم ممن "رضي الله عنهم ورضوا عنه". إن لشاعر يطرح هذا السؤال ثم يعمل فكره وشعوره في الطروحات الحضارية المختلفة فإذا هو يرفض مبدأ الصدفة وخلق الاستكانة والجمود والذوبان في الغير، يرفض كل ذلك كصيغة من الصيغ المطروحة في الفكر العربي المعاصر ثم يقرر ما يراه، في رؤية شعرية يتعانق فيها القلب والعقل لتكون رؤية شعرية لها مذاق الشعر الرسالي الحق.
إن الرؤية الشعرية هنا، وفي هذه الأبيات -التي اقتطعتها من قصيدة طويلة اقتطاعا يمكن أن يخل بالتصور والفكرة- تنقلنا إلى أجواء يتعانق في أحداثها نبض القلب مع حكمة العقل ليعطيا تفسيرا إسلاميا لمشكلة النهضة، وبذلك أضحت الفلسفة الغربية بكل مدارسها عاجزة عن تقديم الحل الأسمى والمنهج السليم لهذه الأمة في رأيه: فمن "روسو" ومن "هوجو" ومن إذا قيسوا برأس المصلحينا؟ ورأس المصلحين هو محمد e وعليه فإن الرجوع إلى الكتاب الحكيم هو وحده الذي لا يزال الحبل المتين الذي متى كانت لنا عقول تقدر على تنزيله على الواقع المعاصر لتحلل أحداثه وحركة التاريخ فيه على ضوئه وضوء سنة الرسول e تحققت المعجزة المنتظرة كما تحققت زمن الخلافة الراشدة. فالرسول لدعوته الربانية هو سر الكون، وهو رمز السعادة وهو مفتاح مااستغلق من أمور دنيانا وأخرانا، ذلك لأنه جاء من لدن الله ليبذر بذرة الحياة التي تحيي في هذا الكون الموتى حضاريا والموتى عقديا والموتى اجتماعيا وأخلاقيا وسياسيا واقتصاديا. إن الرؤية الشعرية هنا ترى حركة التاريخ من خلال تقاطع الثابت المتغير ولذلك تمكن الشاعر من التيقن مبكرا من أن النظريات الغربية لا تملك أن تجيب عن التساؤل الحضاري الجديد، لأن "هوجو" و"روسو" ومن سار على دربهما قد ظلّوا الطريق حينما فرقوا بين الثوابت والمتغيرات ولم يتعاملوا معهما متظافرين في حلّ المشكلات الحضارية، في حين كان النبي e قد اعتمد في تأسيس المجتمع عليهما بحسب الوحي. وأسس لاجتماع واقتصاد نظاما لم يضعه الواضعونا هنا يكمن السر، هذا يضع قواعد تنزيلية جاءت من عليم حكيم، وأولئك يضعون قواعد يستنبطونها من الواقع وحده، والواقع يعجز عن تقديم البديل الأصلح، وإذا كان كذلك فإن في حياة الرسول e "المثل" الأكمل وفي نظامه نموذج الصالح لكل زمان ومكان. ولهذا السبب تساءل الشاعر مرة أخرى في آخر هذه القصيدة التي تعد من الأدب الإسلامي الرسالي كما يلي:
إن النهضة في هذه الرؤية الشعرية متوقفة على اقتفاء أثر الرسول ومعناه أن النهضة التي يتحدث عنها ويدعو إليها هي التي ترفضها بعض الرؤى التغريبية التي ترى في المشاريع الغربية مثلها الأعلى، وهنا يكمن سر الصراع في الوطن العربي خاصة والعالم الإسلامي عامة. إذ ترى الرؤية الإسلامية الخيرية والتقدم والازدهار في التمسك بثوابت الأمة كما يصوغها الوحي قرآنا وسنة بينما ترى الرؤية التغريبية الخيرية والتقدم في الأخذ بمنهج اللائكية. وهذا الصراع هو الذي جعل الشاعر يصوغ المسألة معتمدا على الآية القرآنية الكريمة التي تنص: }كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله{. وإذا أخذنا فعل الكينونة هنا على أنه قد صيغ في الماضي ليفيد استغراق الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل فإننا نستطيع أن نستنتج أن الشاعر يرمز إلى مسألتين من أهم المسائل المتعلقة بمشكلات الحضارة هما: أ- الخيرية متوقفة على ثلاثة عناصر هي: الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذه العناصر تعيدنا في الواقع إلى بداية الحديث عن الرؤية الإسلامية لهذا الشاعر وهي انبثاق الأفكار والأفعال عن التوحيد. ب- النظرة المستقبلية التي يوحي بها فعل الكينونة تحولت بسببه الآية إلى الأسلوب الشرطي، بحيث يصبح المعنى كما يلي: من كان يريد أن يكون خير أمة فعليه أن يؤمن بالله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وبذلك تنتهي القصيدة للحظة تنوير وتفاؤل يمثله الشطر: "لنا أسمى مقام الكاملينا"، ولكن ذلك ليس مطلقا فهو مقيد في نظره بمدى وعي الأمة بهذا الشرط، إذ أن النظرية لها عكسها لذا قال: لا نهي بل لا أمر بل لا منهي وكذاك كان ختام كل الهالكينا وبهذه الفكرة يلتقي تماما مع المفكر مالك بن نبي -رحمه الله- الذي كان يرى أن النهضة مشروطة بالتشبث بالمبادئ: ((وليس يكفي مجتمعا لكي يصنع تاريخه أن تكون له حاجات، بل ينبغي أن تكون له مبادئ ووسائل تساعده على الخلق والإبداع)). | |||||||||