|
إبراهيم أبو اليقظان خطورة التحدي ... وصلابة الاستجابة د. عبد الرزاق قسوم المقدمة : وجاء من أقصى المدينة، بواد غير ذي زرع، على ضفاف وادي ميزاب، ومن واحة القرارة الخصيبة بالجنوب الشرقي من الوطن الجزائري جاء رجل معمم، يرتدي الزي الجزائري العربي الإسلامي، ويحمل "قوت الأرواح" ممثلا في كتاب الله وسنة رسوله، وخلق السلف الصالح. رجل أوتي من علامات النبوغ والعبقرية ما جعل جوانب العظمة فيه تتخذ ميادين شتى، وهو ما يربك الدارس له، لأنه لا يستطيع أن يختصر ما يجب أن يقال عنه، فخطورة التحدي الطبيعي، السياسي والثقافي، شحذت عزيمة أبي اليقظان، وقوّت إرادته وجعلت صلابة الاستجابة لديه تستهين بكل مخاطر التحدي، فانفلقت، فكان "القلم المدفع" و"الكلمة القنبلة" و"الثقافة الذخيرة" و"الروح الفولاذية". إن هذه الخصائص هي التي ألانت قسوة الطببيعة الصحراوية أمام أبي اليقضان، فحوّلها إلى ينبوع واحة، يستوحي منها شعره المقاوم، وشعوره الوطني، وإن هذه الطبيعة الصحراوية هي التي أكسبته صلابة الإيمان بربه، ودينه، ووطنه، فاستهان بكل أنواع الشرك العقدي أو السياسي فكان يواجهه بسبابته "البلالية" "أحد..أحد" وبشعاره الإصلاحي الوطني "الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا". ذلك هو إبراهيم أبو اليقظان الشاعر، والصحفي، والداعية، والمصلح، الذي يخوض في كل ما يمت إلى قضايا عقيدته، ووطنه وأمته بصلة، فقد وهبه الله ثقافة الأقدمين الموسوعية، فجعله يعالج الظاهرة الإنسانية، والمجتمعية، بكل ميادينها المعقدة... ولعل الصعوبة المنهجية في دراسة فكر أبي اليقظان، إنما تتجلى في تداخل هذه الظواهر الإنسانية في فكره، فكل ظاهرة منها تغري بالدراسة والبحث، وتفرز جوانب تصلح لأن تكون محطات وقوف وتأمل، فالانتماء الوطني، أو القومي، أو الإسلامي، هو أكبر الدعامات التي يقوم عليها فكر الرجل، فإذا عمقت النظرة في أبعاد هذا الانتماء، انكشفت لك أدوات وآفاق كلها تسلمك إلى هدف مجتمعي نبيل. إنه لا مندوحة إذن لمن رام دراسة فكر أبي اليقظان، من أن يعمد إلى محاور كبرى، تخفي كلها في -طياتها- معاني الخطاب الذي قصد مفكرنا تبليغه. لذلك سنحاول في هذه الدراسة "العينية" أن نفرد وقفات تأملية لأبرز المحاور التي بدت لنا بمثابة المحطات التي طبعت رحلته الجهادية من المنطق إلى المصب. ويمكن باختصار كبير، أن نجمل هذه المحاور في المحطات التالية: الوطنية، الإصلاح، الصحافة، السياسة، الدين، اللغة، العروبة، فلسطين، الاقتصاد، العلوم... إلخ. وإن في ثنايا هذه المحاور تنطوي مواقف، واستجابات تعكس كلها منهجية التحليل، وطريقة التشخيص، وسبل العلاج لمختلف أدواء القطر الجزائري، والوطن العربي، والأمة الإسلامية، وهو ما جسدته قصائده الشعرية في ديوانه، وسنابله الفكرية المزروعة في واحته الإعلامية، وقد تعددت عناوينها مثل: "المنبر" و"الاتحاد" و"لسان الشعب" و"مرشد الأمة" و"الفاروق" و"النجاح" و"الإقدام" و"المنتقد" و"الصديق" و"وادي ميزاب" و"ميزاب" و"المغرب" و"النور" و"البستان" و"النبراس" و"الأمة" و"الفرقان". إن مجرد تأمل هذه العناوين لصحافة ذلك العهد، نجدها ترمز إلى دلالات شتى، فهي الجغرافيا والتاريخ، وهي الإشارة والتنبيه، وهي المقاومة والتصميم، وحسبنا في ذلك أن نسوق عينة واحدة لبعض معاناة الرجل في ذلك الوقت من طرف المحتل الفرنسي. فقد كان سيف الرقابة الغاشم مصلتا على الصحافة العربية آنذاك عموما، وصحافة أبي اليقظان بصفة أخص، لما اتسمت به من حرارة الروح، وصلابة المقاومة، وهو ما أدّى بصاحبها إلى أن يوظف شعره للتعبير عن صحافته المقيدة... ومن ذلك قصيدته الرائعة، على لسان صحيفته المعلقة "وادي ميزاب المقيد يتكلم" ضمنها رسالته الإعلامية، وأهدافه الإصلاحية، ونماذج من مقاومته للقمع الاستعماري، ومما جاء فيها الأبيات التالية:
إلى أن يقول :
فإذا مددنا الخطى قليلا مستعرضين المحطة الأولى من وقفات التأمل ولتكن هي الوطنية، تجلت لنا محاور كبرى: هي المصير، وهي الوحدة، وهي المقاومة للتجنيس، والاندماج... إلخ. 1- الوطنية في فكر أبي اليقظان: لم يكن المثقف الجزائري في مستوى أبي اليقظان في حاجة إلى أن يرحل عن بلده، أو أن يلتقي بأي زعيم كان لكي يتعلم منه الوطنية أو يزكي فيه الإحساس الوطني، إن الوطنية تولد مع كل ذي إحساس وشعور، منذ أن تكتحل عيناه بشمس بلاده، وتستنشق رئتاه هواء وطنه العزيز، فالظلم المرسوم على كل صورة من صور الإنسان الجزائري، في حكمه، وقوانينه ، وثقافته، واقتصاده، كلها توحي بالمعاناة المريرة التي يعانيها المواطن الجزائري بسبب القوانين الاستعمارية المجحفة. إذن لا مراء في أن التفاعل، قد يحدث بالاحتكاك مع ضحايا نفس الظلم، وقد يجد المرء متنفسا لدى المصاب مثله على اعتبار ((أن المصائب، تجمعن المصابين)) ولكن أسباب الجرح تبقى كامنة في الواقع المحلي، والجمر مبثوث على سطح الأرض الواقعة تحت نار ونير الإستعمار. ومن هنا فإن جذور الوطنية ، قد نبتت في فكر أبي اليقظان منذ خطا أول خطوة في ربوع مسقط رأسه بوادي ميزاب، حتى إن الوطنية في شعره لتوحي أحيانا لعقل الدارس بنوع من الغموض، حيث يختلط عليه التغني بوادي ميزاب كموطن، والتغني بالجزائر كوطن نلمس هذا على الخصوص فيما لا نجد له تعليلا في بداية الرحلة عند أبي اليقظان أي في عهد الثلاثينات، عندما نجده يتغنى بالنشيد الوطني لميزاب. وماذا يعني النشيد الوطني لميزاب؟ ويزداد ذهول الدارس حين يقف في هذا النشيد على التغني بمعالم الأصول المذهبية لا الوطنية، ومن ذلك قول أبي اليقظان :
وعلى نفس المنوال نجد نشيده الآخر "نشيد الشعب" ففي هذا النشيد كذلك يستخدم كلمة "وطن" ليطلقها على ميزاب فيقول:
وأيا كان ما قد توحي به مثل هذه التورية، فإن السياق العام لفكر أبي اليقظان لا يسمح بوضع وطنيته ضمن زاوية ضيقة كالتي قد يوحي بها مثل هذا النشيد، ذلك أن الوطنية عنده، تحكمها مفاهيم أخرى غير التغني بالأرض، والجدود لأنها قضية تتسع لتشمل التغني بالثورة الجزائرية، وبجبال الأطلس، وبرفض قضايا التجنيس والاندماج، وما يصاحب ذلك كله من معنى أشمل لمفهوم الوطنية. ربما جاز أيضا القول بأن شعر أبي اليقظان في الثلاثينات، قد شمله تطور أشمل في الخمسينات، وذلك تحت وطأة ظروف وعوامل عديدة، وهو ما يعطي لمعنى الوطنية في فكره بعدا أعم وأشمل ولكن حتى هذه الأطروحة تبطلها الحقائق التاريخية، ففي ربيع الثاني من عام 1353 الموافق لجويلية 1934 نجد أبا اليقظان يتغنى بالوطنية بمفهومها الجزائري الشامل، وذلك من خلال قصيدته في مهرجان جمعية العلماء التي جاء فيها :
وتأخذ الوطنية بعدا آخر أعمق وأدق في قصيدة أبي اليقظان "هذي الجزائر" حين يقول على الخصوص:
إلى أن يقول :
أرأيت يا قارئي الكريم كيف أن ظروف العسف، والقمع، وسود الليالي قد تضطر الشاعر أو الأديب أحيانا إلى أن يفصح عن كثير مما يختلج في صدره، أو أن يلجأ إلى التورية أو توظيف مفهوم لتأدية معنى آخر، وهذا ما يشفع لنا فيما قد نلحظه من لبس أو غموض في ما نجده من نثر أو شعر. على أن أبا اليقظان يلجأ في مواطن كثيرة إلى التصريح، بدل التلميح غير مبال بما قد يجر عليه ذلك من وبال. ففي افتتاحية جريدته "وادي ميزاب" يؤكد على التلاحم الوطني ضمن الوحدة الوطنية فيناشد ابن وطنه قائلا: ((أيها الجزائري الماجد... اعلم أن القطر الجزائري مدينة واحدة تاريخية، مسورة بسور واحد وهو الإسلام، وسكان دورها هم سكانه، فلا يمنع انحياز كل في داره، ومحافظته على مميزات عائلته فيه، سائر سكان المدينة من التعاون، والتعاضد على جلب المصلحة لها ودرء المضرة عنها. فإن مصلحة المدينة هي مصلحة ديارها، ومضرتها هي مضرتها، إذا أقبل النهار فإلى الجميع. وإذا هجم الليل فعلى الجميع)). هكذا يتجلى لنا بوضوح أن الوطنية جهاد، ومعاناة وابتلاء وعلى حد قول أبي اليقظان: ((ليست الوطنية في تعديل القوام وتحسين الهندام، والجري وراء القصف والمجون، إنما الوطنية شرارة نارية يقذفها الله في النفس فيلتهب بها الدماغ، ويرسل أشعة نورها إلى القلب، فتحرك حرارتها الأعضاء وتنير الأشعة الساطعة أمامها طريق العمل.. إن الوطنية الحقة يشقى الإنسان ليسعد وطنه، ويذل ليعز، ويفقر ليستغني، ويموت ليحيا)). ومن التحديات الخطيرة المرتبطة بالقضية الوطنية تبرز مسألة التجنس والاندماج، فهذا المشروع الخبيث الذي خرج به على الناس في العشرينات أحد الولاة الاندماجيين وهو "فيوليت" الذي ارتبط المشروع باسمه، هذا المشروع الذي يهدف إلى تشجيع الجزائريين على التجنس بالجنسية الفرنسية، مقابل حصولهم على الحقوق السياسية التي يتمتع بها باقي الفرنسيين. وفي مقابل هذا الخطر الداهم انبرى أبو اليقظان بقلمه الصلب لتوعية بني وطنه بخطورة هذه المؤامرة رابطا إياها بحكم الشريعة الإسلامية... ولقد تجلى حكمه من خلال مقال عنيف صدر له بعنوان "رأينا في التجنيس". ومن أحكامه في هذا الموضوع، وضع المتجنس وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية في وضعية المرتد عن دينه، يجري عليه ما يجري على المفارق لدين الجماعة ذلك ((أن الكلام عن مسألة التجنيس، وبيان فسادها وخطورتها من الوجهة الدينية والوطنية، كالكلام على ظلام الليل، ومرارة الحنظل، وسم العقرب وفرقعة الدينامت)). لقد كانت مواقف أبي اليقظان من التجنيس، صريحة لا مواربة فيها، وهي أن المتجنّس مرتد عليه لعنة الله والملائكة، والناس أجمعين، وأن التجنيس في لغة مفكرنا مرادف لكلمة تنجيس، ولله دره في هذا الاقتباس حين يصف الحكام المحليين المباركين للتجنيس بـ "القواد" مستخدما التعبير الجزائري الشعبي بأبشع مدلولاتها وأدقها... يقول عن هذا: (جمعوا إليها في صباح مراحهم كلا من الضَمَان و"القود")). وكان قبل هذا قد مهد لهذه الفرية بهذا الوصف البليغ:
2- أبو اليقظان المصلح: لعل من مآثر العظمة في فكر إبراهيم أبي اليقظان، تأصيله لمعنى الوطنية، بحيث تحصن عنده بثوابت الوطنية من دين، ولغة ووحدة. وفي هذا التوجه كل الدلالات العميقة التي تؤمن للوطنية نموها السليم، وحصانتها، حتى تكون بمنأى عن كل أنواع الهزات والزعازع. ولقد سجل التاريخ أن الدعوة الميزابية للنهوض بالجزائر قد ارتبطت دوما بالحركة الإصلاحية الجزائرية الباديسية، بامتدادها الإسلامي الرحيب. وإنها لحكمة بالغة أن يمنح الإصلاح في فكر أبي اليقظان هذا الامتداد الصلب والخصيب، ففي ذلك إذكاء لروح المقاومة لكل عمل شيطاني يريد بالجزائر أن تنأى عن خطها الإسلامي -العربي- ذلك أن الشعب الجزائري كما يقول أبو اليقظان (أصيل في وحدته، وأن معدنه ذهبي نقي، ولكن الاستعمار أهال عليه التراب، وبدد نثراته الذهبية هنا وهناك، وإن التراب والتبديد لم يغيرا من عنصره شيئا)). لذلك فإن كل محاولة للنهوض بالجزائر من كبوتها، وتوحيد شتاتها لا ينبغي أن تتم خارج العودة إلى عقيدتها وعبادتها، وأخلاقها ومعاملتها وسائر شؤون حياتها إلى منبع الإسلام الصافي. وأبو اليقظان في توجهه الإصلاحي هذا، ينحو منحى إخوانه المصلحين في الشمال، أتباع المدرسة الباديسية، فهم جميعا بشمالهم وجنوبهم يجمعون ((على أن كل سعي لتوحيد الأمة الجزائرية المسلمة من غير هذا الباب هو فيما نرى من باب إتيان البيوت من ظهورها، أو هو ضرب في حديد بارد، لا يكون مآله إلا الفشل والإخفاق)). ويضع أبو اليقظان لخطة الإصلاح هذه دعائم أساسية لضمان نجاح المنهج الإصلاحي فيوجزها في العناصر التالية: أ- مكافحة الآفات الاجتماعية. ب- مكافحة الخرافات والأوهام. ج- تحرير النفوس من الأوهام والأغراض والأنانية. د-تحلي المسؤولين بالنزاهة والاستقامة ليكونوا قدوة. هـ- عناية العلماء ببرنامج التعليم بما يكفل للنشء الإسلامي الجديد نشأة قوية. و- فقه الدعوة من جانب الدعاة والمرشدين. ز- تبوأ للصحافة دورها الريادي، في أن تصبح منارة هدى. ح- توحيد الجمعيات والأحزاب على ميثاق عمل واحد لتكوين جبهة واحدة، مهما اختلفت وسائلهم في العمل. إن التأمل الدقيق في هذا المنهج الإصلاحي كما يقدمه أبو اليقظان، بالمقارنة إلى ما يحتويه برنامج الحركة الباديسية يقودنا إلى التسليم بحقيقة كبرى، وهي أن الإصلاح في الجزائر إن هو إلا حلقة متينة في سلسلة الصراع من أجل الخلاص ضد العدو، ومن ثم هذا الإصلاح بالعمل السياسي بمفهومه الإسلامي الذي يعلو عن الحزبية الضيقة، ويسير في الخط الجهادي الشمولي الأكبر. فلا غرابة إذن أن مصلحا كأبي اليقظان عندما يعمد إلى تشخيص الواقع الجزائري بحثا عن العلاج الناجع، يقرر أن رأس الداء إنما هو الاستعمار، وإن الأوبئة التي أصاب الاستعمار بها أمتنا تتمثل في ثالوث امتد إليها في شكل أخطبوط متمثلا في أمراض ثلاثة هي الجهل، الفقر، الإخفاق. ((فالجهل أفقدها الشعود بوجودها وكيف ثدب عليه، والفقر أقعدها عن العمل، وشل أعضاءها عن الحركة، والافتراق أذاب قوتها وذهب بريحها، فبقيت والحالة هذه عرضة للتلف والهلاك، والاضمحلال)). إنه لا منجاة لنا -للقضاء على الجهل- من الإقبال على التعليم. وإن السياسة التعليمية في المفهوم الإصلاحي لأبي اليقظان، تتمثل برنامجا ينبغي أن تتكاتف للنهوض به كل القوى الحية في الوطن، ((رجال الشرع الرسميون بالهيمنة على العامة وضبط سيرها. والدعاة والمصلحون بالقيام بوظيفة الدعوة، ووضع خطط للإصلاح. والكتّاب والأدباء بقيادة النفوس وسيادة العقول. ورجال القضاء بإقامة ميزان العدالة بين الناس. والموظفون الإداريون لتسيير دفة الإدارة على قواعد العزم والحزم والنظام. ونواب المجالس البلدية بالذود على مصالح منوبيهم. رؤساء القبائل والعائلات بالسهر على مصالح من عليهم حقهم. والأغنياء بمواساة الفقراء وتشييد المشاريع الخيرية. والطبقة العاملة بإتقان عملها وإجادته وترقيته)). إنه متى ضمنت هذه التعبئة الوطنية للقوى الحية أمكن بناء جيل جزائري، عربي اللسان، إسلامي العقيدة جزائري الانتماء، فيكون بذلك محصنا من سموم المدرسة الفرنسية التي تحشو عقول أبنائنا بكل أنواع الزيغ والإلحاد، بالانتقاص من قيمة الحضارة الإسلامية والإشادة في مقابل ذلك بالحضارة الغربية، وإشعار التلميذ بأنه ينتمي إلى (الأم الحنون) فرنسا، وأن أجدادهم هم (الغاليون) LES GAULOISإلى غير ذلك من السموم الفتاكة.
هذه إذن هي معالم الإصلاح في فكر أبي اليقظان تقوم على دعامة أساسية هي العلم. وتتفرع عن قضية الجهل، والتعليم قضية التخلف الاجتماعي، وتبرز في هذه القضية قضية المرأة الجزائرية. وتأتي أهمية المرأة مرتبطة بتعليم الناشئة لأن المرأة كأم، وكزوجة، هي المؤتمنة على الناشئة، وعلى أسلمة البيت، فصيانة الشخصية الجزائرية العربية المسلمة، لا يمكن ضمانها في جو التيارات والعواصف الجارفة، ما لم يقيض لها الله تعالى المرأة المسلمة المؤمنة بدينها، ولغتها ووطنها. لذلك عمدت المدرسة الإصلاحية في الجزائر إلى منح المرأة كل ما تستحقه من عناية وأولوية في إطار النهوض بالمجتمع، والمحافظة على الشخصية وأصالتها. وإذا كان موضوع الحجاب، والعفة، والشرف، هو من المسلمات التي لا مجال لمناقشتها في أخلاقيات المرأة الجزائرية، فإن التربية والتعليم على العكس من ذلك كانت من أولويات المدرسة الإصلاحية. يجسد هذا ما حفل به فكر المصلحين الجزائريين، شعرا ونثرا في حقها، ومن أرق ما قاله شاعر الجزائر محمد العيد آل خليفة في هذا الموضوع مخاطبا المرأة قوله:
وقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي عن واقع المرأة: ((المرأة الجزائرية تنتحب والحكومة الجزائرية تريد لها أن تنتخب)). في هذا السياق جاءت عناية أبي اليقظان بالمرأة للحث أولا على تعليمها وتربيتها، ثم لصد هجمات المغرضين عنها، سواء من الصحفيين الفرنسيين الذين يغمزون في الإسلام، من زاوية المرأة، أو ما كانت تثيره بعض الأقلام العربية في دعوة المرأة المسلمة إلى السفور، وتمزيق الحجاب، ويذكر لنا التاريخ المحاولات التي قام بها في هذا المجال، كل من قاسم أمين في مصر، والطاهر الحداد في تونس، وإذا كانت دعوة قاسم أمين قد ظلت محصورة في مصر، ولم يكن لها تأثير يذكر في الجزائر، نظرا للحصار الإعلامي المضروب على الجزائر آنذاك، فإن كتاب الطاهر الحداد تحت عنوان: "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" قد أثار ضجة كبرى في الجزائر، وتصدى "الكتّاب والدعاة، والمفكرون له، لما حفل به هذا الكتاب الخطير، من ترويج ودعاية من لدن الصحافة الفرنسية ودعاة التغريب، والإلحاد من الاندماجيين في مجتمعنا. وخطورة الكتاب تكمن في جرأته على نصوص الشريعة الإسلامية، حيث تطرق إلى قضية الحجاب، وتعدد الزوجات، والإرث، وهي القضايا التي ما تزال تثيرها في مجتمعنا المعاصر، جمعيات الأمهات العازبات اليوم. وقد دخل معركة النقاش مصلحون كثيرون على رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس، كما شارك أبو اليقظان هو الآخر بمقال مطول عنوانه: "قنبلة الإلحاد في تونس" جاء فيه على الخصوص ما يلي: ((إن من يقرأ سطرا أو سطرين من الكتاب... يجده عند التأمل... تشكيكا في الدين والتشريع الإسلامي ونقضا لما أبرمه الله في كتابه الكريم. كأنما يقول لنا "سي الحداد" أنا الرسول المجدد للإسلام، الناسخ لكثير من آياته البينات، المعدل لكثير من مسائله وأحكامه العادلة كمسألة الميراث، والطلاق، وتعدد الزوجات، والحجاب وشهادة المرأة، ومنزلتها من الرجال إلى غير ذلك... كأن الإسلام لم يفرغ من تقرير حكمه فيها من ثلاثة عشر قرنا ونصف)). ولم يكتف أبو اليقظان بمقالة واحدة في تناوله لقضية المرأة بل إنه كتب مقالات أخرى انبرى للرد فيه على مقال جرئ نشر في صحيفة "النديم" التونسية، زعم فيه صاحبه أن سفور المرأة المسلمة، لا يتنافى والشريعة الإسلامية... وقد حملت المقالات العناوين التالية: "تأبط خيرا... همسة في أذن ناقد النديم" ، "تأبط... أردنا نصيحة فأراد فضيحة" ، "المرأة الجزائرية والحجاب"، "ما هكذا الدفاع عن الحجاب"... الخ. غير أن الوقفة التي تستحق منا تأملا أكثر، هي المتمثلة في غضبة أبي اليقظان عما نشرته الص | |||||||||||||||||||||