بسم الله الرحمن الرحيم
عندما أصدرت كتابي "أبو اليقظان و جهاد الكلمة" سنة
1979م، كان مما جاء في مقدمته ما يلي:
"لابد أن أشير هنا أنه بقي جزء هام يتعلق بموضوع
الكتاب كل التعلق، بل إنني أعتقد
أنه
لن يكتمل بدونه، ذلك هو نماذج كاملة من مقالات أبي اليقظان، و كنت
أود أن لو تحقق هذا بين دفتي هذا الكتاب نفسه، و لكن فنيات الإخراج
المطبعي، و خوف من الإثقال على القارئ بكثرة الصفحات حالا دون هذه
الرغبة، مما جعلني أؤجل هذا العمل ليكون جزءا خاصا مستقلا بذاته
لاحقا إن شاء الله"
و منذ ذلك التاريخ و أنا أمني نفسي بتحقيق هذا
الأمل الذي حالت دونه ظروف مختلفة، و انشغالات متنوعة، و أسفار
متلاحقة، ولكن الأمل رغم كل هذه السنوات الطويلة ظل جذوة متقدة في
حناياي، و رغبة ملحاحا تعتمل في قلبي، و كنت كلما تصفحت كتاب "أبو
اليقظان و جهاد الكلمة" تذكرت ذلك الوعد على نفسي و وعدت به
القارئ، و ما كنت أظن أن هذا الأمل الذي يبدو سهلا ميسورا، لا سيما
أن المادة العلمية كانت جاهزة
–ألا
يتحقق إلا بعد ثلاث و عشرين سنة كاملة، و الأسف ملء الجوانح. غير
أني حمدت الله أن وفقني إلى تحقيقه بهذه المناسبة العزيزة، مناسبة
الذكرى الثلاثين لوفاة الشيخ أبي اليقظان (رحمه الله).
و أود التذكير أن هذا الكتاب الذي عنوانه "مختارات
من صحف أبي اليقظان" لا يشتمل إلا على جزء قليل من مقالاته، و هي
مقالات اخترناها مما نشره في جريدة وادي ميزاب (1926م-1929) علما
أن تراث أبي اليقظان الصحفي يشمل جرائد أخرى وهي: ميزاب، المغرب،
النور، البستان، النبراس، الأمة، الفرقان، و هي تمتد إلى سنة
1938م، مما يتطلب منا إصدارها في أجزاء متلاحقة بحول الله.
و ما أود أن أذكر القارئ الكريم بأن محتويات هذا
الكتاب من المقالات لها علاقة وطيدة بمؤلفه الذي عنوانه "تاريخ صحف
أبي اليقظان" المطبوع حديثا، لأن الفهم الحقيقي لروح هذه المقالات
يستدعي الوقوف على خلفياتها
و
أبعادها، و دواعي كتابتها، والظروف التي أحاطت بها، و آثار تلك
الكتابات و تأثيراتها في الحياة السياسية و الاجتماعية و الثقافية،
سواء أكان ذلك داخل الجزائر أم خارجها، في مواجهة الاستعمار
الفرنسي، أم في محاورة الفكر الجزائري و هو ما أوضحه في ذلك
الكتاب.
كما أزعم بكل تواضع أن لهذين الكتابين المذكورين
علاقة وطيدة أيضا بكتابي "أبو اليقظان و جهاد الكلمة" فهو يحتوي
على فهارس شاملة للمقالات الصادرة في صحافة أبي اليقظان مدة اثنتي
عشرة سنةّ، كما أنه يحتوي على تحليل اتجاهات تلك الصحف وأشهر
الكتاب فيها، مما يساعد على تصور كامل لتاريخ الشيخ أبي اليقظان
الصحفي الحافل بالجهاد و الإيمان في المحيطين الوطني والإسلامي.
و دون إطالة أترك القارئ الكريم مع هذا التراث
الصحفي الملتزم، الهادف، الممتع، الذي يؤرخ لمرحلة تاريخية من أغنى
مراحل حياتنا الوطنية
و
الإسلامية مقاومة و جهاد، سائلين الله أن يجعل هذا العمل من العلم
الذي ينتفع به، داعين لشيخنا أبي اليقظان بالمثوبة والرضوان، و لنا
جميعا بالتجاوز و
الغفران.
الجزائر، في أول محرم الحرام 1424هـ
الموافق 04/03/2003م
د. محمد صالح ناصر.