كنا كتبنا في عدد 18 من وادي ميزاب فصلا نحرض فيه على
العمل
و نبذ الكسل، و ننعى فيه على الكسلاء و المتواكلين
الذين يعتذرون عن العمل بقرب نزول سيدنا عيسى عليه السلام و حلول
الساعة الخ، ما أسهبنا في الموضوع إذ ذاك تنشيطا للنفوس الجامدة و
تحريكا للهمم الفاترة.
و لم نشعر إلا و أوراق المبشرين تتساقط على الناس
كأوراق الخريف، و
قد اتصلت بأيدينا ورقة منها فقرأناها، فكدنا نموت من الضحك على سخافة
عقول هؤلاء و سفاهة أحلامهم.
ضاع على هؤلاء رشدهم و فقدوا صوابهم و أفلسوا من وسائل
الإقناع بدعايتهم، و لم يبق لهم من أساليبها إلا أن يتقمصوا جريدتنا
(وادي ميزاب)
و يستثمروا نفوذها، و يستخدموا سمعتها لإلفات ضعفاء
الإيمان من المسلمين إلى تبشيرهم بالمسيح. اغتصب هؤلاء من فصلنا لفظة
نزول سيدنا عيسى عليه السلام و اتخذوها سلما لتعليق شروحهم الزائفة
عليها، و قد فعلوا ذلك توصلا إلى بث مهازلهم بين عموم المسلمين من بنوة
عيسى و ألوهيته من جهة، و فديته بدمه للخلق من جهة أخرى، و كونه واسطة
لهم تقربهم إلى الله زلفى و تدوين أسمائهم في سجل تلاميذه إلى آخر
خرافاتهم الركيكة السمجة التي لا تدخل تحت المعقول و لا في دائرة
المنطق، تعالى الله عما يخرصون علوا كبيرا.
نحن لا نعجب من هؤلاء و مزاعمهم الفارغة، فقد مل منها
كل زمان و
كل مكان حتى لفظها أبناؤهم و طاردوها، و لو لم تخدم دعايتهم السياسية
في المستعمرات لأبادوها من الوجود، و لكنا نعجب من صفاقتهم و متاجرتهم
باسم (وادي ميزاب) حتى يظهروا للضعفاء أنهم و وادي ميزاب على وفاق
المشرب و النزعة، فيسهل لهم مساغ دعايتهم الخبيثة ليهضموها.
و أغرب من ذلك أن يصدروا ورقتهم البائرة بالبسملة
الشريفة، حتى إذا قرأها قارئ و قرأ بعدها وادي ميزاب و ما يليها من
التعليق ظن أنه إنما يكلمه أحد من إخوانه المسلمين الناصحين، فعند ذلك
يحشون له السم في الدسم، و لا يشعر إلا و قد امتزج في عقيدته الصحيحة
الناصعة بنوة عيسى و ألوهيته
و قدسيته الخ.
و إلا فما السر في تصدير ورقتهم بالبسملة و هم لم
يؤمنوا بها، و إذا آمنوا بها فيلزمهم أن يصدقوا بكل ما نزل معها، و إذا
فعلوا لزمهم أن يكذبوا أنفسهم في تلك المزاعم السخيفة.
إذا كانت معيشتكم لا تقوم إلا على بث دعايتكم الفاسدة،
فهاتوا براهينكم و أدلتكم في وضح النهار لا تحت أستار الظلام. و إذا
ما أعوزتكم الحجة
و البرهان
فاخضعوا لحجة الإسلام القطعية، و إذا كان و لا بد من المكابرة
و العناد مع الإفلاس التام من الدليل و البرهان فليكن
على حسابكم لا على حساب (وادي ميزاب) فإن اختفاءكم به في اقتناص
العقول في الحث على العمل و نبذ الكسل لا في شرح نزول المسيح عليه
السلام، فإذا كان لكم شيء من تعليق فليكن على الموضوع لا خارجه إن كانت
لكم نوايا حسنة.
و قبل أن تخوضوا في مسألة نزوله و أن تدخلوا فيما
استأثر الله به، يلزمكم أن تجردوه من الألوهية المزعومة وأن تؤمنوا به
أنه بشر رسول
و بقوله تعالى:
}
قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم و لا تقولوا
على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله و كلمته ألقاها
إلى مريم و روح منه فآمنوا بالله و رسوله و لا تقولوا ثلاثة انتهوا خير
لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات و ما
في الأرض و كفى بالله وكيلا
. لن
يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله و لا الملائكة المقربون...
{
النساء/171
و172
}
ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل
و أمه صديقة كانا يأكلان الطعام أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى
يوفكون
{
المائدة/75
و قبل أن تخوضوا في شرح نزوله و أن تدخلوا فيما لا
يعنيكم يلزمكم أن تصدقوا أنتم و أممكم بكل ما جاءكم به تبشيركم برسول
يأتي من بعد اسمه أحمد، أما أن تكفروا به و بما جاء به ثم تبشروا
بألوهيته و تدعوا الناس أن يكونوا تلاميذه فهذا نهاية الجنون، و أنتم
أحوج الناس لأن ندعوكم إليه و نحملكم على الإيمان به.
و إذا تبلدتم عن كل هذا و أبيتم إلا أن تتطفلوا على
الدخول فيما لا يعنيكم و أن تتجاسروا على الخوض في غيب الله، فلماذا
تناولتم هذا البحث من ناحيتكم الزائفة المقررة لبنوته و ألوهيته و
وساطته و قدسيته الخ، و لم تتناولوه من نواحيه الحقة من أنه ينزل من
السماء على شريعة الإسلام كأحد أبنائه و
يدعو الناس إلى اعتناقها و اتباع هدي
أخيه محمد
صلى الله
عليه و سلم
و أنه يستمد الوحي من القرآن و سنة محمد القويمة لا أنه ينزل هو أو على
شريعة أخرى حديثة ضرورة أنه لا نبي بعد محمد، و لا شريعة بعد شريعته و
لا أمة بعد أمته
r
أغفلتم كل هذا و تمسكتم من البحث بقشوره لا لأجل شرحه و الاستدلال على
صحته، و لكن لأجل الإدلاء به على إثبات بنوته و فديته و غفرانه الخطايا
و
دعوة الناس إلى تسجيل أسمائهم في دفتر تلاميذه الخ. و ليس وراء هذا من
طائل غير اتخاذ اسم المسيح عليه السلام متجرا و هو بريء منكم لقوله
تعالى:
}سبحانك
ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته
{
المائدة/116.
فلا عجب إذا اتخذتم (وادي ميزاب) إذا مطية لبث دعايتكم
بين المسلمين.
إن في وجود هؤلاء الجماعات بين المسلمين أضرارا مزدوجة
للأمة
و الحكومة معا، أما أضرارهم للأمة فإفساد عقائدهم التي
التزمت الحكومة في كثير من المناسبات باحترامها، و إفساد أخلاق أبنائهم
و جرح عواطفهم بطعنهم في أعز ما لديهم و غير ذلك من التدخلات الغريبة و
المضايقات المقلقة.
و أما أضرارهم للحكومة فإن من صالحها أن تسود الثقة و
الإخلاص نحوها في قلوب رعاياها المسلمين و هؤلاء الجماعات بإفسادهم
عقائد المسلمين و التلاعب بعقول أبنائهم و تشويه أخلاقهم و آدابهم و
الطعن في دينهم
و رسولهم
يحفرون هوة عميقة بين الأمة و الحكومة، و يخلقون بين الجانبين جوا
قاتما، سيما إذا علموا أنهم يعملون تحت رعاية الحكومة و حمايتها و
بفضل قوتها و نفوذها.
إننا نتتبع جميع أعمالهم و مخازيهم، و نتطلع على
أسرارهم و دخائلهم،
و كنا نتغاضى عن ذلك علهم يرعوون و يقفون عند حدودهم، و
إذا أبوا إلا التحكك بالإسلام و المسلمين فإننا سنبدي عوراتهم و نكشف
للناس حقائقهم حتى يكون الناس على بينة من أمرهم.
و إرخاء الحكومة العنان أو تنشيطها لهؤلاء بعد التزامها
على نفسها باحترام ديانة المسلمين و بعد إعلانها أنها لا دينية مما
يزلزل ثقتهم بها و يجرح قلوبهم و هي في حاجة إلى امتلاكها.
و نحن مع تأملنا في هذا الصنيع منها لم ندرك سره، و لا
وجدنا له سببا يبرره، فإذا كان قصدها بذلك تمهيد الطريق لها فقد تمهدت
و ملكت على المسلمين ديارهم و أموالهم و أي شيء بقي لها لم تصل يدها
إليه، و إذا كان قصدها به امتلاك قلوب المسلمين فإن هذا يبعدها جدا عن
المقصود، و لا تزداد به إلا بعدا، و لن تملك قلوب المسلمين بغير العدل
و المساواة و الإحسان.
و مراعاة لمصلحتها و مصلحة المسلمين فإننا نحتج ضد وجود
تلك الجماعات التبشيرية بالبلاد لا سيما في وادي ميزاب، و نرجو منها
بكل إلحاح إلغاءها و حلها، فإن دوام وجودها بين المسلمين و سلوكها
مسالك مشينة مما لا تحمد عقباه.