أدويته:
لقد فصلنا فيما سلف دواء هذا الوباء الذي يخص الجماعات
والهيئات، و الآن نختم هذا الموضوع ببيان الدواء الذي يخص الأفراد،
والأفراد إذا صلحت صلح المجموع، و هل المجموع إلا فرد مكرر.
و إليك أيها القارئ خلاصة ما نراه دواء لذلك، و إن كان
مرا على النفس أو ثقيلا على السمع، و ليس من شأن الدواء أن يكون عذب
المذاق، و لكن من لوازمه أن يكون ناجعا مفيدا للجسم مبيدا لجراثيم
المرض. لمداواة مرض الفجور يجب:
أولا: تقوى الله تعالى و الحذر من عاقبة غضبه و سخطه و
صارم عقابه،
و استشعار المرء له تعالى، و هو يعلم خائنة الأعين و ما
تخفي الصدور، في حركاته و سكناته، و مراقبته في جميع أعماله، و تقوية
إيمانه بأن هنالك دارا غير هذه الدار يناقشه فيها الحساب ويوفيه نصيبه
فيها من العذاب يوم لا ينفع مال و لا بنون.
فإن الإنسان إذا لازم تقوى الله
I
و راقبه في أقواله و أفعاله، و ملأ قلبه بهيبته و جلاله، و نفسه بعظمته
و كماله، فلا محالة يجد في نفسه واعظا يأمره
و ينهاه، يذكره إذا نسي، و ينبهه إذا غفل، و يردعه إذا
زاغ، هنالك يجد انكسار النفس و خضوعها و انقيادها فيمج الفساد بأنواعه،
و يذوق في الصلاح لذة لا يحلم بها المفسدون.
ثانيا: أن يستعين على ثوران نفسه بتمرينها على الصبر و
الصلاة، فإن في تمرينها على الصبر، تمرينا لها على ترك ما تثور إليه و
تزهيدا لها فيه حتى تتناساه، و في تمرينها على الصلاة تهذيبا لها و
تشذيبا لما طغى منها و تربية لها على أن تتخلى عن الرذائل و أن تتحلى
بالفضائل، لما في الصلاة من تربية ملكة الخضوع و الخشوع و الانقياد
للمولى تعالى:
}
و أقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء و المنكر
{
و الذي يضمن لي بالمثابرة على إقامة الصلاة بالوجه
الشرعي الأكمل أضمن له بشفائه من ذلك المرض عاجلا أو آجلا بإذن الله.
و لم ينكب من انكب على مناخره في هاوية الغواية و
الفجور إلا لما تهاون بأمر صلاته فضيعها، و لم يكن من سنة الله
سبحانه
وتعالى
أن يخذل عبده فينزع عنه رشده، فيتلظى في نار الفجور و هو يقيم صلاته
كما أمره، هذه حقيقة واقعية أملتها علينا التجربة والاختبار والتاريخ و
النصوص القطعية.
ثالثا: مجانبة الفساق و الفجار، و الفرار منهم فرار
السليم من الأجرب، فإن أولئك الأراذل مرضى بأمراض معدية، و في مخالطتهم
خطر عظيم على السليم،
و قبل أن
يفكر الإنسان في أي علاج من المرض تلزمه المبادرة للحيلولة بينه
و بين
منبع المرض الساري. ومادام مجرى المرض مستقلا بالمريض فلا دواء
و لا علاج.
و من جملة مجانبة الفساق الإعراض الكلي عن قراءة ما
يصدرونه من مجلات الخلاعة و روايات الغرام و شبهها، و في معنى ذلك
ابتعاده عن مواقع اللهو و الطرب من المقاصف و المراقص و نحوها، و
مقاطعته للفواجر و الفساق، فإن معاملتهن و مخالطتهن من باب إلقاء شرارة
من النار في خزانة من بارود لا تبقي و لا تذر، و أكبر شاهد على ذلك
حالة معامليهن و مخالطيهن من التجار
والملاكين. و كل من له ذرة من العقل لا تسمح له نفسه فيأخذ شرارة يلهب
بها حريقا في نفسه أو ماله أو ذريته أو عائلته، و لا يعمد إلى شيء من
ذلك إلا مجنون أو عدو لدود لنفسه.
رابعا: مخالطة الفضلاء و العلماء و أخيار الأمة، فإن
مخالطتهم تطهر أدران النفس، و تزيل أرجاسها، و تربي فيها الحشمة و
الوقار والشعور بالعزة و الكرامة و الخوف الشديد من مذمة تلويثها بلطخة
العار و شناعة الشنار، كما تغذي فيها روح الخير و الصلاح والقدوة
الحسنة و الطموح إلى المعالي و الكمالات، و النبو عن المخازي و
الموبقات.
و ميل المرء إلى الأخيار و الفضلاء دليل النبل و الفضل،
كما أن النفور منهم و الاشمئزاز من محضرهم أمارة من أمارات السقوط
والخذلان، فليزن الإنسان نفسه بهذا الميزان، و ليضعها حيث تصبو إليه من
منازل الفضل و الشرف و العزة و الكرامة، لا حيث تنبو عنه من دركات
المهانة و الذل و الصغار.
خامسا: قراءة القرآن العظيم مع التدبر في آياته، و
التمعن في عبره و نذره، و خصوصا الآيات المستفيضة في تواريخ الأمم
العاتية الفاسقة الظالمة و مصيرها من المحق و الخسف و الغرق، فإن
القرآن الكريم سفر عظيم من لدن حكيم عليم:
لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و هو شفاء من
كل داء، و نور في جميع الظلماء
}
يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم و شفاء لما
في الصدور و
هدى و رحمة للمؤمنين
{
فالذي يتلو القرآن بتفهم و تدبر و خشوع يسرج في نفسه
مشعالا ساطعا نوره، لامعا ضياؤه، يستمد النور من رب العالمين، يشاهد به
الحقائق كما هي. فيترك إذا ترك لله، و يعمل إذا عمل لله. إذا تراكم على
بصيرته صدأ جلاه بتلك الآيات البينات، و إذا ران على قلبه رين أزاحه
بقوارعه و زواجره.
}
إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم و إذا تليت عليهم آياته
زادتهم إيمانا
{
الأنفال/2
و هكذا يعيش المتأثر بآثار القرآن في حياته مستقيما
محمود السيرة حميد السريرة.
و إنما غوى من غوى، و هوى من هوى من لم تلامس تعاليم
القرآن القويمة شغاف قلبه، و لم تتأثر بها نفسه المتحجرة.
سادسا: تقصير أمد العزوبة قدر الإمكان، و وضع حد لرغائب
النفس الداعية إلى الاسترسال في العزبة و الاغتراب، فإن مطامع النفس لا
حد لها و لا غاية،
و إبلاغ مناها من ذلك من رابع المستحيلات، و الهرولة
وراء المستحيل ضرب من ضروب الخور والعبث و الجنون.
و في أثناء العزبة اللازمة يلزم، لتخفيف وطأتها و تلطيف
حدتها، مجانبة كل ما من شأنه أن يهيج النفس أو يحرك ساكنها أو يثير
فيها العاطفة الجنسية من الإسراف في الأغذية المقوية أو مجاذبة الغواني
اعنة الغرام و مغازلتهن أو الاختلاء بهن الخ..
و من جهة أخرى يلزم الالتجاء من ذلك إلى غض البصر، و
تذكير النفس بما أعد الله للصابر في دار كرامته من الحور العين التي
كأنهن الياقوت
و المرجان، و كأمثال اللؤلؤ المكنون، و إلى غير ذلك من
الأوصاف التي نص عليها الكتاب الكريم و السنة القويمة وآثار السلف.
فإن تذكير النفس بهذه الذكرى يجعل في نظرها كل ما في
الدنيا من الجمال كلا شيء، و لا تلبث أن تزهد عما يعرض منه أمامها
وتعافه، و تجد للتزود للجمال الأخروي الذي لا يفنى و الملك الذي لا
يبلى.
و بمثل تلك الذكرى أصبحت الصحابة رضوان الله عليهم أشد
الناس تعففا و
ورعا و تمسكا بالدين بعد ما كانوا بالأمس أكثر شغفا وولوعا بالعشق و
الغرام و الدواء الذي تداووا به بين أيدينا و لا ينقصنا إلا أن نتفهمه
كما تفهموه، و نتلقاه كما تلقوه.
سابعا: المبادرة بالزواج عند الشعور بالحاجة إليه، و
يكون في الغالب ما بين سن 18 و 20، فإن في تأخيره عن ذلك مضرة عظيمة
وخطرا جسيما على الفرد و المجتمع كما هو مشاهد محسوس، و مما يجب
الاعتناء به في هذا الموضوع تسهيل أسباب الزواج من تحديد المهور و
جعلها ملائمة لحالة الوسط على قاعدة: لا ضرر و لا ضرار. فإن المغالاة
في المهور قعد كثيرا من الطبقتين الفقيرة و
المتوسطة عن الزواج، و تؤخرهم عنه إلى سن الكهولة، فيمر شبابهم كله في
غواية و دعارة، و يضيعون فيها جيوشا كثيرة من البنين و البنات كانت
الأمة في حاجة إليهم أكيدة.
تلك هي الملحوظات التي ارتأيناها في تشخيص داء الفجور و
دوائه قدمناها لقرائنا الكرام عسى أن تكون نواة بحث و تفكير لمقاومة
هذا المرض الفتاك، و
نرجو أن نكون أدينا أمانة ربنا و أبلغنا إليهم ما وفقنا بمنه و كرمه
إليه، هو المسؤول
سبحانه و
تعالى
أن يفتح بصائر المسلمين لتشخيص أدوائهم و استحضار أدويتهم بما فيه عزهم
و سعادتهم في الحال و المآل.