أدويته:
قد عرفت أيها الأخ القارئ أسباب الزنا و مقدماته و
آثاره و مفاسده في الفرد و المجموع من حيث الدين و الأخلاق و الصحة
والشرف و العائلة، الخ.. و إيفاء بالوعد نختم هذا الموضوع بما نراه
دواء ناجعا لهذا المرض الوبيل، راجين من الله
عز و جل
أن يوفق الأفراد و الجماعات إلى تلافي حالتهم الأسيفة بما فيه الشفاء
التام.
إن مرض الفجور ككل الأمراض المخطرة يلزم أن يقاومه و
يطارد أوبئته الناس كلهم الجماعات و الأفراد، كل بما يستطيع.
أما ما يخص الجماعات، فمنها عقد جمعيات خاصة لمقاومته،
مثل جمعيات مقاومة المسكرات و السل و السرطان و غيرها، تؤسس على شريطة
العفة و النزاهة، بحيث لا يدخل في عضويتها إلا من يلتزم على نفسه أن لا
يقترب من الزنا أو مقدماته، و لا يسمح بحال لمن تحت نفوذه أن يقترب من
شيء من ذلك، و يكون غرضها الأساسي مكافحة هذا المرض في أي شخص كان
بجميع الوسائل المشروعة، من إلقاء المحاضرات و المسامرات، و نشر
الرسائل في بيان مضار الزنا للعامة، و عقد المؤتمرات لدرس مسارب هذا
الداء وجرائمه و وسائل التوقي منها، و إنشاء فروع للجمعية في كافة
البلاد لتوسيع نطاقها و إمدادها بما يلزم لأداء مهمتها و مقاطعة
البغايا و الفساق قدر الإمكان.
و هذا فيما نظن يسير على من يسره الله تعالى عليه من كل
رجل مصلح يشفق على أمته و بلاده لأنه لا يكلفه شيئا كبيرا من التضحية،
وليس له دخل في السياسة فيخاف معارضة الحكومة له، و إنما هو مشروع
اجتماعي الغرض منه مقاومة داء عام من الأدواء الاجتماعية.
و قد علمتنا أوروبا نفسها كيف يجب الاهتمام بالمصالح
العامة لجلبها، و
بالمضار العامة لدفعها، و قد تفننت في عقد الجمعيات والمؤتمرات و
توزيع اللجان لدرس مادة أو مرض أو جرثومة أو مشكلة خاصة، بل لقد توسعت
في هذا حتى عقدت جمعيات لأنواع الحيوانات من هررة و فئران و كلاب الخ.
فكيف يليق بنا بعد هذا أن نتقاعس عن التفكير في تأسيس جمعية لمكافحة
وباء الفجور، وقد رأينا بأم أعيننا، و سمعنا بآذاننا، و لمسنا بأيدينا
ما نجم عنه من المفاسد و الشرور مما أهلك الحرث و النسل، و خرب
البلاد، ومحق العباد.
فقبل التفكير في عقد الجمعية لمقاومة داء السل أو داء
الزهري، و قبل التفكير في تضخيم عدد السكان بتجنيس أخلاط من العناصر
المختلفة يجب، حسب ما تقتضيه الحكمة و السداد، التفكير في مقاومة وباء
الفجور الذي هو أصل لتلك الأدواء، كما يجب تسهيل وسائل الزواج للإكثار
من النسل الأصيل الذي تظهر فائدته العظمى في كثير من شؤون الحياة.
و منها ما يجب على نواب المجالس الذين أخذوا على عاتقهم
أيام انتخاب
الأمة لهم من الدفاع عن مصالحها و درء المفاسد عنها، وأهم ما تجب عليهم
مكافحته صيانة لكرامة الأمة هو ذلك الداء العضال، فإنه تجب عليهم
مقاومته و
تطهير البلاد من جراثيمه بكل ما لدهم من جاه و نفوذ و سحر بيان بدون
تسامح أو هوادة، و إلا كانوا خائنين ناكثين للعهود التي قطعوها على
أنفسهم لناخبيهم من درء المفاسد عنهم، فإن وباء الفجور أخطر مفسدة و
أضر مرض على الأمة، و السكوت عنه و غض النظر عن فشوه إقرار له ومساعدة
على انتشاره، و ذلك فتنة في الأرض و فساد كبير.
لم تعط الأمة نوابها ما أعطتهم من القوة و النفوذ
اعتباطا، و لم تخولهم ثقتها و تمكن بأيديهم سلطتها عبثا أو لأجل أن
يتربعوا في الكراسي و كفى، و
إنما منحتهم كل ذلك للدفاع عنها و الذود عن كرامتها، فلهم حق شرعي لا
يعارض في مكافحة الفجور، فسكوتهم بعد كل هذا عنه، و قد ظهرت شروره
و
آثاره السيئة في الأمة، بماذا يفسر يا ترى؟ أو لا يفسر بالموافقة و
الرضا بذلك المرض و ما يستتبعه من الوبال؟ فما هي فائدة إنابتهم و
توكيلهم؟ و نحن لا نخالهم إلا نازلين على إرادة الأمة، عاملين على ما
خولتهم ثقتها لأجله، فيهبوا كرجل واحد لمكافحة ذلك الداء و استئصال
جرائمه من مساربها.
و منها ما يجب على العلماء و الخطباء و رجال الدين من
تحذير العامة من وباء الفجور، و بيان أضراره الكبيرة الكثيرة في الفرد
والمجموع، فإن لهؤلاء نفوذا عظيما في قلوب العامة و لكلامهم أثره
الفعال في نفوسهم،
و سكوتهم
و هم بهذه المنزلة عن ضرر خطير كهذا يعد جرما عظيما و إثما كبيرا، لما
ينشأ عنه من جرأة الفساق على الفسق، و استهتار الفجار في فجورهم، إذ
يتخذ هؤلاء سكوت أولئك رضى منهم على صنيعهم، و إقرارا لهم على فعلهم، و
ربما اتهموا لسكوتهم بعمالتهم أو مشاركتهم في فحشهم، الأمر الذي يجرئ
عليهم السفهاء و يسقطهم في أعينهم في سائر الأماكن، و يقلل من هيبتهم
في نظرهم، فلا يعود لكلامهم في سائر المواضيع من أثر، و لا لوعظهم من
نفوذ. فإذا آل أمر الأمة، عامتها و خاصتها إلى هذا الحد، فبشرها بالمحق
و
الاندثار عما قريب.
}
لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود و عيسى ابن مريم ذلك بما
عصوا و كانوا يعتدون
.
كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون
.
ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفرا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله
عليهم و في العذاب هم خالدون
{
المائدة/78-79-80
و منها ما يجب على الأدباء و الكتاب من بث الدعاية ضد
جريمة الفجور لما أعطاهم الله من نعمة الكتابة و الإنشاء و سحر
البيان، وقد تهيأت في هذا العصر من وسائل النشر ما لم يتهيأ في عصر
قبله، فالمطابع مجهزة،
و
أسواق الكتب و المجلات و الجرائد نافذة، والمواصلات سريعة، فلا عذر لمن
يتقاعس عن خدمة الأمة و البلاد في هذا الصدد و هو يحمل في رأسه دماغا
ولادا و فكرا ثاقبا وذهنا وقادا، و بين جنبيه نفسا تتأجج غيرة، و تلتهب
إحساسا و شعورا على ما وصلت إليه حالة أمته و بلاده، و بين أنامله قلما
إذا هزه أضاء سبل الإصلاح بنوره، و أحرق مزابل الفساد بناره، فالتبعة
على هذا بسكوته و تغاضيه عن داء الفجور كبيرة، و المسؤولية جلى.
و النعمة إذا لم يقيدها صاحبها بالشكر باستخدامها فيما
خلقت لأجلها لا محالة يسلبها الله منه وشيكا.
و منها ما يجب على رؤساء القبائل و كبار العائلات من
كبح جماح من تحت نفوذهم، و الحيلولة بينهم و بين مهاوي الفحش
والغواية، لما لهم من النفوذ العائلي و لحمة القرابة و صلة الرحم، فإن
إهمالهم لذويهم و ترك حبلهم على غاربهم إنما يعود ضرره عليهم، و عاره
على أنفسهم قبل غيرهم.
فليتدبر العقلاء هذا جيدا، فإن الأمر جد ليس بالهزل، و
الخطر جسيم
و العاقبة
وخيمة، فالبدار البدار لإطفاء الحريق بكافة الوسائل قبل فوات الوقت و
حلول ساعة الندم.