كنا نرى أن الكلام على مسألة التجنيس بأن فسادها و
خطورتها من الوجهة الدينية و الملية و الوطنية كالكلام على ظلام الليل
و مرارة الحنظل و
سم العقرب و فرقعة الديناميت من باب تحصيل الحاصل و الاشتغال بما هو
مقرر و مفروغ منه منذ فرض التوحيد على الخليقة
و لكن ما الحياة و الجهل ضارب أطنابه ببلاد الإسلام و
ضعف الإيمان
و وهن
التدين و مرونة النفوس لم تزل هي السائدة بغالب المسلمين، و لغلاة
الاستعمار وسائل لتخدير أعصاب المسلمين و تشغيلهم عن الدفاع عن حقوقهم
الشريفة بمسائل أخرى يفنون فيها أعمارهم و يحرقون لأجلها أوقاتهم
الثمينة، و قد
فصل أمرها دينهم منذ قرون و أحقاب.
و إلا فما أغنانا عن تجديد الكلام على الفضاء و القدر و
السفور و تعدد الزوجات و الطلاق و قسمة المواريث و الكلام على الأزياء
الإسلامية و
التجنيس و التشريع الإسلامي
...إلخ.
يبذر الغربيون هذه البذور، و يبثون هذه الشبه في
الأوساط الإسلامية و
القرآن المجيد بين أيديها يتلى، و السنة القويمة لديها مدونة و هما قد
فصلا في أمر هاتيك الشبه لأجل ماذا؟ ذلك لأجل أن يفتنوا ضعفاء الدين من
المسلمين عن دينهم و ليشغلوا علماءهم بالمناقشة فيها حتى لا يفرغ الكل
لإعداد وسائل الدفاع و استرداد حقوقهم المغصوبة، و حتى يبقى الجميع تحت
أمر استعبادهم إلى الأبد إن تم لهم الأمر.
لقد صير صنيعهم هذا مسألة التجنيس من المسائل الكبيرة و
المشاكل الخطيرة، و اصطبغت بصبغة الجد و صار الكلام عليها والاهتمام
بها من أوجب الواجبات، و السكوت عنها من أكبر الكبائر و أقبح القبائح.
بل اتسعت دوائر الأبحاث فيها حتى لا يفي الكلام عنها في
فصل أو فصول في صحيفة، و إنما يستلزم لها الأسفار الضخمة والمجلدات
الكبار، و قد كتب فحول الكتاب فيها في تونس و الجزائر فصولا طوالا، و
ألفوا فيها رسائل و كتبا، و مع هذا فالمسألة لم تزل تلوكها ألسنة البحث
و التمحيص.
و قد استفزنا سكوت كثير من العلماء عن إبداء رأيهم
الشرعي فيها لا عن جهل منهم بحكمها و لكن عن خوف و جبن فقط.
و أدهى من ذلك و أمر جنوح بعض العلماء إلى تسويغها و
التساهل فيها على ما هي عليه، و حيث كان الأمر هكذا رأينا من العار
القبيح أن نقف إزاء هذا المشكل موقف المتفرج، فيتخذ سكوتنا إقرارا
سكوتيا كما اتخذ سكوت أولئك العلماء كذلك، بل رأينا من الواجب و الحالة
هذه أن نبدي رأينا فيها بكل صراحة حتى نخرج من عهدة التكليف به، و حتى
يتأيد جانب الحق و ينخذل جانب الباطل و تكون كلمة الله هي العليا و
كلمة الذين كفروا السفلى.
ما هو التجنيس الذي نحن بصدده؟
التجنيس الذي عرفوه هو الانسلاخ عن الجنسية الإسلامية و
الدخول في الجنسية الفرنسية، بمعنى الاعتراف بفساد الشريعة الإسلامية و
عدم الالتزام بأحكامها و الاعتراف بصلاحية التشريع الفرنسي الوضعي و
الالتزام بأحكامه عليه و على ذريته من بعده.
ما حكم التجنيس؟
حكم التجنيس بالمعنى الذي ذكرناه هو ردة، أي رجوع عن
الإسلام إلى كفر الشرك، و ذلك لقوله تعالى:
}
يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى
أولياء بعضهم أولياء بعض و من يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي
القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن
تصيبنا دائرة..
{
المائدة/51
قال الأستاذ قطب الأئمة رضي الله عنه في تفسير التيسير
جزء 2، صفحة 105: نزلت الآية في قوم بعد قتال أحد تخوفوا، فقال منهم
أحد أنا ألحق بفلان اليهودي، آخذ منه أمانا و أتهود معه لعله تكون
الدولة لليهود. و قال آخر: أنا ألحق بفلان النصراني بالشام و أتنصر معه
و آخذ منه أمانا، ثم قال: قال أبو موسى الأشعري لعمر رضي الله عنه: إن
لي كاتبا نصرانيا، فقال: ما لك قاتلك الله ألا تتخذ حنيفيا مسلما، أما
سمعت قوله تعالى
}
يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى{
فقال له دينه و لي كتابته. فقال عمر: لا تكرموهم إذ أهانهم الله، و لا
تأمنوهم إذ خوفهم، و لا تدنوهم إذ أقصاهم الله. فقال: لا قوام للبصرة
إلا به. فقال له: فأنت النصراني. أي فأنت مثله إذ وليته.
و لقوله
تعالى
}
و لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن
استطاعوا و من يرتدد منكم عن دينه فيمت و هو كافر فأولئك حبطت أعمالهم
في الدنيا و الآخرة و أولئك هم أصحاب النار هم فيها خالدون{
قال قطب الأيمة في التيسير جزء1، صفحة 299: "أي بطلان
أعمالهم الصالحة و عوقبوا عن أعمالهم السيئة في الدنيا لا تعتبر لهم
فيها بل تلغى، و لا يعصم بها ماله الذي في بلد الإسلام و لا دمه، فإنه
يقتل و لو امرأة، و لا يورث و لا يرث و لا ينكح، و تبين زوجته و تؤخذ
أولاده عنه"
و قال الإمام الشيخ محمد عبده في تفسير، جزء2، صفحة
326: "أي بطلت و فسدت حتى كّأن واحدهم لم يعمل صالحا قط، لأن الرجوع من
الإيمان إلى الكفر يشبه الآفة يصيب المخ و القلب، فتذهب بالحياة، فإن
لم يمت المصاب بعقله و قلبه فهو بحكم الميت لا ينتفع بشيء، و كذاك الذي
يقع في ظلمات الكفر بعد هدي إلى نور الإيمان تفسد روحه و يظلم قلبه
فيذهب من نفسه أثر الأعمال الصالحة الماضية، و لا يعطى شيئا من أحكام
المسلمين الظاهرة، فيخسر الدنيا و الآخرة…
إلى أن قال: "و معنى الآيات ظاهر و هو أن المرتد لا
ينتفع بأعمال الإسلام في دنياه و لا في أخراه، و ذلك أن الرجوع عن
الدين رجوع عن أصوله الأساسية
…
و قال
صلى الله عليه و سلم:"
لا تتراءى نار المؤمن و المشرك إلا على حرب، أي لا تظهر نار أحدهما
لنار الآخر في حال النزول للقرب إلا على حرب (تيسير، ج2، ص105) إلى غير
ذلك من النصوص القرآنية و الاحاديث النبوية الدالة على أن التجنيس كفر
و ردة.
كأني بقائل يقول: سلمنا أن الردة كفر، و فهمنا كل ما
ورد فيها و آمنا
و صدقنا به، و لكن لا نسلم أن التجنيس بالمعنى المتقدم
تنطبق عليه أحكام الردة و الحال أن المتجنس يؤمن بالله و رسوله.
فنقول له: نعم إن المتجنس و إن كان يدعي أنه يؤمن بالله
و رسوله، لكنه لما كان كافرا بما جاء به الرسول و الكفر بما جاء به
الرسول كفر بالرسول،
و
الكفر بالرسول كفر بالله، فهو كافر بالله كفر شرك و مرتد، و راجع عن
الإسلام و داخل في بوتقة الكفر، و تترتب عنه أحكام المرتد جميعها في
الدنيا و
الآخرة. هذا هو الحق، هذا هو الصواب، و الناس أمام الحق و الصواب سواء.
و بيان ذلك أن الكفر عندنا معشر الإباضية على قسمين:
كفر نفاق و كفر شرك، و النفاق على قسمين: نفاق خيانة، أي انتهاك الحرام
مع اعتقاد الحرمة، و نفاق تحليل و تحريم أي تحليل الحرام، و تحريم
الحلال، لكن بالدليل و تأويل الخطأ. و كل من المنافقين نسميه مسلما أي
موحدا و كافرا كفر نفاق، كما يدل عليه قوله
صلى
الله عليه و سلم:
لا يزني الزاني و هو مؤمن، ليس بين العبد و الكفر إلا تركه الصلاة. و
غير ذلك مما هو مبسوط في علم الكلام.
و حكمهما عندنا الخلود في النار إذا ماتا على الإصرار،
و حكم خلودهما أن في إصرارهما حين الاحتضار على ذلك نية الإدمان و
البقاء عليه على الدوام و الاستمرار، و ذلك موجب للعذاب طبعا. أما في
الدين فحكمها حكم المسلم تماما.
أما كفر الشرك فهو على قسمين: شرك جحود أي إنكار الله،
و شرك مساواة أي مساواة الله تعالى لغيره في شيء، كالعجز و الكذب و
غيره. فإنكار رسول من الرسل أو نبي من الأنبياء أو كتاب من الكتب
المنزلة أو حرف منها، كفر شرك، شرك مساواة، لما في إنكار شيء من ذلك من
تكذيب الله تعالى
و مساواته لغيره في الكذب، و من هذا الباب دخل المتجنس
في مأزق الشرك، لأنه في انسلاخه من الشريعة الإسلامية و التزامه
بالشريعة الفرنسية الوضعية إنكارا للأولى و اعترافا بالثانية، و في
تركه للأولى لا على وجه الانتهاك فقط، أو تأويل الخطأ بل على وجه
استحلال المحرم، و تكذيب الله تعالى، و في تكذيبه سبحانه مساواة لغيره
في الكذب، و هو شرك، شرك مساواة، كما قال العلامة المحقق أبو نصر
النفوسي في نونيته:
و من رد حرفا أو رسولا فإنه برد جميع المرسلين
كفرعون
و أي ردة أكبر من الانسلاخ عن الجنسية الإسلامية و
الرجوع عن شريعة الإسلام إلى اعتناق الجنسية الفرنسية و النزول في
الأحكام على الشريعة الوضعية الفرنسية. أم كيف يعد المتجنس مؤمنا و
الله سبحانه و تعالى يقول:
}
فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم
لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما{
النساء/65