لا يخفى أن سكة حديد الحجاز وقف من أوقاف المسلمين و
حبس من أحباسهم المؤبدة قد جعله محبوسا مرصودا لمنفعة المسلمين و
مصلحتهم تسهيلا لطرق الحج و تخفيفا عنهم من متاعبهم في أداء فريضة من
فرائض الدين و
شعيرة من شعائر الإسلام، و علقوا بالبقاع المقدسة و قبلة المسلمين و
جعلوا حق الإشراف و المحافظة عليه لمن له حق السلطة و الهيمنة على
البقاع المقدسة. و قد جرى العمل بهذا منذ تأسيسه إلى اشتعال الحرب
الكونية، و كان في أثناء هذه ما كان من الثورة العربية و تغيير خريطة
جزيرة العرب و
تمزيقها إلى أشلاء مبعثرة، و كان فيما تناوله القلب و التغيير هذا الخط
الحديدي الذي يمتد من دمشق إلى المدينة المنورة في 1303 كيلومتر.
سكنت عواصف الثورة و تدرجت أحوال الجزيرة إلى الاستقرار
نوعا، و
الخط باق هو هو، ثم قامت الحرب بين الحسين و ابن السعود، فكان مآلها
أن فاز ابن السعود على الحسين فأصبحت جلالته ملكا على الحجاز و بيده حق
الإشراف على الخط الحديدي، فبذل غاية جهوده لإصلاح حالة الحجاز و
ترميم ما خربته أيدي العسف و الظلم في عهد الملك حسين، و كان من
مشمولات أنظاره في الترميم و الإصلاحات ذلك الخط لحديدي العظيم.
و حيث كان مارا بشرقي الأردن و بشطر من سوريا و هما تحت
الانتداب الإنجليزي و الفرنسي لم يمكنه إنجاز رغبته، فدارت محاورات
بينه و بين انجلترا و فرنسا في مصيره، و لم تسفر عن نتيجة مرضية غير
أنه بلغنا في وقته أنه رأوا أن يجعل الخط تحت إدارة مستقلة محايدة يصرف
قسط من دخله في مصالحه و قسط يصرف في مصالح المسلمين بالبقاع المقدسة.
و بينما نحن في انتظار البت في هذه المشكلة إذ حمل
إلينا بريد الشرق ما يفزع كل مسلم و يكدر باله، فقد روت لنا بعض
الجرائد الشرقية الحرة تحت العنوان أعلاه ما يأتي:
(علمنا أن فرنسا و انجلترا اعتزمتا اقتسام سكة حديد
الحجاز و أدواتها
و تسجيل اتفاقية بذلك في جمعية الأمم لكي تكون حكومة
الحجاز التي مازالت تطالب بإعادة السكة إلى أصحابها تجاه أمر واقع و لا
تقدر في المؤتمر المزمع عقده أن تطالب بحقوقها كما لو كانت الحكومتان
غير متعاقدتين على ذلك.
قالت فنحن نوجه أنظار المسلمين إلى هذه الداهية السوداء
لتدارك الحالة قبل وقوعها، و نطالب الهيئات الإسلامية في جميع الأقطار
بمؤازرة ابن السعود في المطالبة برد السكة الحجازية إلى أصحابها.
و نحن بلسان مسلمي القطر الجزائري نعرب عن انزعاجنا من
هذا الخبر المقلق المزمع على إنجازه، و نراه تدخلا غريبا فيما هو مختص
بمصالح المسلمين و افتياتا عجيبا على حقوقهم المقدسة.
إن هذا الخط الحديدي ليس حقا بجلالة ابن السعود فقط و
لكنه حق لأربعمائة مليون من المسلمين، فالاعتداء على هذا الحق و التصرف
فيه إنما هو اعتداء على أربعمائة مليون مسلم، و تصرف في حقهم و جرح
لعواطفهم، و
عرقلة في طريق الحج، و صد عن المسجد الحرام. و قد أنذر الله بغضبه و
سخطه و عذابه الأليم كل من يريد بإلحاد
بظلم، و إذا ما صب الله جام غضبه على قوم فلا ترده عنهم لا سيارة و لا
طيارة و لا بارجة و لا غواصة و لا غاز مخنق و لا واقي الصواعق و لا
شركات ضمان و لا و لا ..
فإنه إذا نزلت أحكامه المسطرة في لوح قضائه تنسج في
رمشة من العين هاتيك الأساطير كلها من لوح الوجود. و لهذا فإننا نحتج
ضد كل تصرف فيه من شأنه العبث بحق المسلمين في هذا الخط المكهرب بإحساساتهم
الدينية.
و نطالب انجلترا و فرنسا أن ترجعا عما اعتزمتا و تعيدا
هذا الحق إلى أصحابه مراعاة لعواطف المسلمين و
إحساساتهم
و جبرا لخواطرهم، و هما أحوج الناس إلى اكتساب مودتهم و انعطافهم، و
ليس من صالحهما إقلاقهم
و جرح عواطفهم..