كنا
كتبنا فصولا ضافية في دسائس المبشرين، و حذرنا الناس من الوقوع في
أحابيلهم، و بينا شيئا من مخازيهم في وادي ميزاب. من بين تلك
الأفخاخ أنهم يتساهلون مع تلامذة مدارسهم بأن لا يعاقبوهم إذا
تخلفوا عن الأوقات و أن يطلقوا سراحهم إذا طلب أولياؤهم منهم ذلك
في أثناء السنة الدراسية للسفر
و غير ذلك. و إنما وضعوا لهم هذه التسهيلات مع أنها
تخالف نظام التعليم في وادي ميزاب و غيره ليصدوا التلامذة عن
المدارس النظامية و ليحولوهم إليهم، فيوقعوهم في شباكهم باسم
التعليم.
نبهنا العامة منهم في هذه النقطة و غيرها، علها
تأخذ حذرها من سمومهم و تقي فلذات أكبادها من الوقوع في شباكهم،
كما يقع الحوت في شبكة الصياد.
و قد فهم الكثير منا هذه الإشارة و عمل بمقتضاها، و
لكن البعض على غروره و غباوته ممن ضرب الله على بصره غشاوة من
الغفلة و البلاهة إذ لم يزل يظن أن المبشرين هم حواريو هذا العصر،
استخلفهم الله في أرضه عن عيسى، يبثون تعاليم شريعة الله ودينه
فيها، و أنهم الآباء الذين يفيضون رحمة و شفقة على بني الإنسان
بتعليمهم و تربيتهم و تطبيبهم، و أن كل من تعرض لهم ما هو إلا
شيطان خلاط، لا يقصد بشيطنته و تخليطه إلا الإفساد و التهويش و
التقليق.
و قد بلغ العته و العمى بالبعض من هؤلاء إلى أن
يسحبوا أولادهم من المدارس النظامية و يقيدوا أسماءهم في وقت
الراحة الصيفية بمدارس المبشرين في غرداية و عند افتتاح السنة
الدراسية فتش معلمو تلك المدارس عن أولئك التلاميذ و أبلغوا أمرهم
إلى رئيس الإدارة
المحلية، و بعد التفتيش عنهم وجدهم قد قيدهم آباؤهم في مدارس
المبشرين، و بالطبع ينسحب الرئيس من الميدان ويضحك على عقول أولئك
الآباء التعساء ضحكة السخرية
و
التحقير إذ رآهم لعقولهم السخيفة يحفرون بأيديهم الأثيمة قبورهم و
ماذا يقول؟ و كيف يصنع إزاء هذا الأمر المخجل إذا كان رب البيت
نفسه يأخذ معولا بيده يهدم به دينه و مجده و شرفه؟ و ماذا تكون
قيمته في نظره و هو يخرب بيته بمعوله، أتحمل ذلك الرئيس الغيرة
عليه فيطرح المعول من يده
و هو لا يغار على نفسه؟
يا لله العجب، يهرب من المدارس النظامية لضيق
نظامها عليه بعدم السراح لولده عند الاقتضاء و يرتمي في أحضان
المبشرين لأجل السهولة في ذلك و لا يتفكر فيما ينجم عن ذلك من
إفساد عقيدة ولده و أخلاقه و لا يصعب عليه فساد دينه و أخلاقه مثل
ما يصعب عليه عدم السماح له بإخراجه من المدرسة.
ربما يقول أحد إن هذا غلو و تعصب، و المبشرون أشد
نزاهة من أن يمسوا عقيدة أحد أو يتدخلوا في أمور دينه، و نحن لا
يسعنا إزاء هذه الثقة العمياء و البله المطبق إلا أن نحيل هذا على
أحد من التلامذة الأغرار ليسأله عما يلقى عليهم من الدروس في مدارس
المبشرين و يصغي لما يسرد عليه من الزيغ و الإلحاد، و ليس الخبر
كالعيان و ما بعد العيان بيان.
سأل أحد بعض تلامذتهم السؤال الآتي: ماذا تقرؤون؟
فقال: كذا و كذا من لغة و حساب، فقال له: و هل تقرؤون
القرآن؟ فقال: القرآن رديء لا نقرأه.
و سأل أحدهم آخر: ماذا يلقى عليكم من الدروس؟ فقال:
أول ما ندخل يقال لنا إذا قيل لكم كيف أصبحتم؟ فقولوا: أصبحنا
بخير، و قد قال
عز
وجل
في القرآن:
}
و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها
{
و نحن بعد عنائنا بالأمس أصبحنا في نعمة الراحة، و إن عيسى كما
الله تعالى في القرآن نبي الله، فأنا بفضل الله أصبحت مسيحيا.
فأنت ترى أنهم يستدرجونهم و يستغفلونهم بنحو قال
الله تعالى في القرآن، و نحو عيسى نبي الله إلى أن يقول كل واحد
منهم أصبحت بفضل الله مسيحيا،
و أي
غرض لإلقاء هذه التعاليم لهم و تكريرها لهم حتى تكون كأنشودة
الصباح يتلونها كل يوم؟ أو ليس الغرض الوحيد بذلك هو انتزاع
إيمانهم بمحمد
صلى الله عليه و سلم
من قلوبهم و إبداله بالإيمان بألوهية عيسى الخ. و هو يعتقد أن يؤمن
بالله وبمحمد و بما جاء به أنه من الله؟ و أي برهان يقنعه على أن
المبشرين لا يريدون خيرا بابنه إذا لم يقنعه ما تقدم من البراهين،
و لكن هي الغفلة و البلاهة المطبقة تسدل على صاحبها حجابا كثيفا
يحجب عنه رؤية الحقائق كما هي. و إلى متى يا ترى تبقى هذه ضاربة
قبابها على بصائرهم فيشعروا بالخطر الذي يبيت لهم و لدينهم و
بلادهم و أجيالهم، فيعملوا على إزالته وإزاحته بكل حزم وتبصر.
كفوا عنا أيها المبشرون إذايتكم و إفساد ديننا و
أخلاقنا باسم التعليم
و التطبيب، و دعونا من تعليمكم و تطبيبكم، و علموا
أنفسكم و داووا أنفسكم فقد أغنانا الله عنكم و عن تعاليمكم
بالإسلام، و احترموا ما احترمته الدولة من ديننا و آدابنا و لا
تعكروا ما بيننا و بين أمتكم من العلاقات بدسائسكم و حيلكم فإن ذلك
لا يعود إلا بالشر و العواقب الوخيمة.
إن أردتم حقيقة الإحسان إلينا فأحسنوا إلينا
بالابتعاد عن التدخل في ديننا و
أخلاقنا و آدابنا، و قبل الإحسان إلينا يجب عليكم أن تحسنوا إلى
أنفسكم
و
أمتكم باتباع آداب الإسلام و تعاليم محمد
صلى الله عليه و سلم.