إذا كانت الكلمة ضخمة المعنى، فخمة المبنى، رنانة
النغمة، زاهرة اللون رائجة في أسواق الأوساط، ترى الناس على
اختلاف طبقاتهم يتسابقون إليهاو
يتجاذبونها إليهم، كالوطنية و القومية و الإنسانية و الحرية و
العدالة و المساواة كما يتسابقون إلى الغادة الهيفاء لسماع
نغماتها الشجية و ألفاظها الساحرة المعسولة و هم في الواقع بعيدو
الوصول إليها.
وكل يدعى وصلا بليلى و ليلى لا
تقر لهم بذاك
و كما يتزلف ضعفاء العقول إلى الوجهاء و الأغنياء
رجاء أن ينالوا بهم حظا أمام أقرانهم وهم ليسوا منهم في شيء.
لشدة رواج الوطنية بين الأمم و الشعوب على اختلاف
الأجناس و الأديان
و
المذاهب ترى الناس يتجاذبونها و يصطبغون بلونها، و إن كانوا
يعملون على نقيضها، يتغنون بنشيدها و يتمجدون بذكرها و إن كانوا
منها خلوا.
يموتون كمدا إذا هم جردوا منها و إن كانوا منها
متجردين، يشيدون المراقص، فيقولون لعمارة الوطن، يفتحون المقامر
فيزعمون أنه لإعلاء شأن الوطن، يعلنون على الخمور فينادون أن
شجعوا بضائع الوطن، يستجلبون أنواع الملاهي و المقاصف فيموهون أن
ذلك لتمدين الوطن، ينظمون حفلات الرقص
و
الغناء فيختلط فيها الحابل بالنابل فيعلنون عنها بلا خجل أن ما
يتجمع منها لفائدة المشروع الخيري الوطني ( وليتها لم تزن و لم
تتصدق ).
كأنما الوطن فندق متداعي الجدران، و الوطنية،
فؤوس و معاول، تقتنى
لهدمه و اكتساحه، ليست هذه يا قوم من الوطنية في شيء، فإذا فتحنا
لأنفسنا باب الدعاوى و لم نتقيد بعرف اللغة و حدود الشرع و آداب
الاجتماع، ساغ لنا أن ندعي كل شيء و لا نقف عند حد، و إذا ذاك
نعيش و نحن هائمون في أودية من الحيرة و الفوضى، لا ضابط و لا
نظام و لا قانون.
ليست الوطنية الجهل بتاريخ البلاد، ومجد البلاد،
و عظماء البلاد، ولسان البلاد، و دين البلاد، و آداب البلاد،
ومشخصات البلاد.
ليست الوطنية التفاخر بتاريخ الغير و مجده، و
عظمائه و لسانه، ودينه
و
آدابه، ليست الوطنية في تعديل القوام وتحسين الهندام و الجري
وراء القصف
و
المجون، إنما الوطنية شرارة نارية يقذفها الله في النفس فيلتهب
بها الدماغ و ترسل أشعة نورها إلى القلب فتحرك حرارتها الأعضاء،
وتنير تلك الأشعة الساطعة أمامها سبيل العمل.
إنما الوطنية الحقة أن يسعى الإنسان قدر جهده
لجلب الخير العميم لوطنه
و
دفع الضر عنه بمقتضى العقل و الحكمة و الشرع و القانون.
إن الوطنية الحقة أن تفنى في مصلحة العموم مصلحة
الذات و يضحي هذه لأجل تلك.
إن
الوطنية الحقة أن يشقى الإنسان ليسعد وطنه، ويذل ليعز، و يفقر
ليستغنى، و يموت ليحيى، كما فعل مصطفى كامل، و فريد، و زغلول
،
و
الباروني، و الثعالبي، و شكيب و أضرابهم.
تلك هي الوطنية الحقة التي على أساسها تشيد دعائم
العمران إذا نفخ روحها في الشعب و
غذى
بها جسم الأمة و ما عداها فدعاوى فارغة، لاحظ لها من الوطنية
إلا ما للزبد من المنفعة.
ليس الوطني الحقيقي من يظهر رأسه عند الرخاء،
وإذا جد الجد اختفى و
توارى عن الأعين فإن هذا النوع من الوطنية تشاركه حتى الأرانب، و
لكن الوطني الحقيقي كالأخ الصديق إنما تظهر صداقته ومودته عند
البلاء و المحن و المضائق هذا نحو أخيه العزيز وذلك نحو وطنه
المحبوب.
لا يبالي إذا خدم وطنه إن أصيب في ماله أو نفسه
أو عرضه لأجله، بل لا يزيده ذلك إلا تنشيطا و تشجيعا و إقداما و
ثباتا و تجلدا لما يعلم من أنه ما أصيب بما أصيب به إلا لإصابته
شاكلة الرأي وكبد الحقيقة، فما دام لم يمس بشيء لأجله فما زال لم
يعترف بوجوده و لا بشيء من الأثر في عمله و أي شيء ألذ من نجاحه
في عمله، هذه نفسية الوطني الحقيقي، و أنى لنا نحن من مثل هذا
الصدق
و
الوفاء !.
يبرز أحدنا في الميدان
بداعي الوطنية فإذا مس بمساك
في نفسه أو عرضه أو ماله تخيل أن القيامة قد قامت، فتوارى عن
الأعين و انزوى في كسر بيته كأنه يحسب الوطنية تمرا يأكله أو
رغيفا يقتات به، و إذا برز إلى الميدان و لم يعتقد و
أنه لا بد في مبارزته من مصائب ومحن فلماذا برز؟
و قد كان الأحرى به أن يقاسم أهله أشغال البيت من
الكنس و الطبخ و تربية أولاده إلخ.
وهذا أولى من أن يكون فارا من الميدان ذا وطنية فرارة فيفشل و
يفشل به غيره فيكون السبب فيما يحل بالشعب من الفشل و الانهزام،
إن لنا قرآنا و سنة و آثارا و تاريخا و عبرا ترينا كيف يجب
الثبات و الصبر على المكاره و الذود عن الحوض و الحمى بكل صدق و
إخلاص و بهذا نحرز على لقب الوطنية الحقة.