هو اغترار المرء بنفسه و اعتباره لها فوق ما هي عليه من
علم أو مال أو جاه، و ينشأ عن الجهل بحقيقة النفس و قيمتها و خفة
العقل. و ينأ عنه الكبر و الصلف و العناد و الفخفخة و الاعتداد بالرأي
و الاستخفاف و الازدراء بالغير و التهاون بالحقوق. و هو كما رأيت من
أخبث الرذائل و مستنقع قذر ينبعث منه كثير من مفاسد الأخلاق.
و قد انتشر داؤه في كثير من البيئات الإسلامية، فأفسد
عنها أخلاقها،
و شوه غرائزها، و عطل مواهبها، و خرب ضمائرها و ذممها.
يولد زيد من أبوين فيحتضنانه
في خمائل الرفاه و الثراء، و لا تنفتح عيناه إلا و قد مات أبوه و ترك
بين يديه ثروة طائلة لا يدري من أين دخلت، و لا يعرف كيف يتصرف فيها،
فيدخله الزهو و الغرور و الإعجاب، فيرى نفسه كأنه في قمة جبل
(القصَيْر الأحمر)
و الناس تحته منكسة الرؤوس، خاشعة الوجوه كالعبيد إزاء سيدها، رهن
إشارته، تأتمر لأمره، و تنهي لنهيه، لا رأي إلا رأيه، و لا صواب إلا
صوابه.
يتخيل المسكين لغروره أن دراهمه تصرف إلى كل شيء و أنها
معنى لكل شيء، هي الدين، هي العقل، هي الفكر، هي الرأي، هي العلم، هي
الأدب، هي الفضيلة، هي الحق، هي الصواب، هي كل شيء. فإذا قيل الدين قال
أنا،
و
إذا قيل العقل قال أنا، و إذا قيل الفكر و الرأي قال أنا، و إذا قيل
العلم قال أنا، و إذا قيل الأدب و الفضيلة قال أنا. و لم يدر هذا
المغرور أن فلوسه ليست بشيء إذ لم تكن تلك، و أنه خلو من كل شيء إذا
خلا عن تلك، و لكن الإعجاب يبلغ بالمرء ما يبلغ الدخان المتصاعد في
الجو، فإذا انتهى إلى ما انتهى إليه تبدد ذرات في الفضاء و أصبح لا
شيء.
من أجل تلك الدعاوى الفارغة يدعي الحق له في كل شيء،
فتنفعل نفوس الضعفاء و الغوغاء بذلك، فتصبح في الحال من شيعته و أنصاره
لتأثير ذلك الوهم عليها، و تلتف حوله فتقبل لإقباله، و تدبر لإدباره
من غير ترو منها و لا شعور إذ احتل دماغها بشدة تأثيره كما يحتل الجان
دماغ المصروع، فيتكلم عن لسان الجان و يتحرك عن إرادته، و لا يملك من
إرادته هو شيئا، و قد حكم أمثال هؤلاء على أنفسهم بالفناء في شخصية
مستعبدهم.
و كم يتيه هذا المغرور بنفسه إذا رأى التفاف الغوغاء و
البسطاء حوله، و
كم يتشامخ و يعطس زهوا و إعجابا، إذ يتخذ تلك المظاهر الخلابة لبلهه و
بلادته كحجة قاطعة على صحة رأيه و استقامة نظره، و عند هذا تحدثه نفسه
الزاهية بالدخول في المعامع، و تشييد مركز ممتاز فيها ليختلب به عقول
الخاصة كما اختلب عقول الغوغاء من العامة، فهناك يصطدم بحصون و أسوار
حديدية من عزة الحق و صولته، فيرجع خاسئا و هو حسير يقلب كفيه على ما
كان عليه اعتماده و معوله من مجرد الفلوس و جموع الغوغاء التي تذهب إذا
صهرتها نار الحق كما يذهب الزبد جفاء.
هنالك تتمزق أغشية بلادته فيدرك حقا أن دراهمه ما هي
إلا دراهم، و لن تتصرف بحال إلى تلك المآثر العظيمة، و أنه لم يود به
و يرده في هوته إلا الإعجاب و الغرور و أنه لا سبيل في الحقيقة إلى تلك
المآثر إلا سبيلها المسلوك، و لا باب لها إلا بابها المطروق، فيصبح إما
ثائبا إلى رشده راجعا إلى حظيرة الحق و الصواب مقدرا قيمة نفسه بشبره،
وازنا قدره بميزانه، و إما مذموما مدحورا قانعا بالإخفاق و الخيبة و
الحرمان.
يولد عمرو بين أسرة تتعشق العلم و تباهي به، فيودعه
أبوه معهدا علميا، و لا يتذوق عسيلة العلم إلا و قد مات أبوه عن ثروة
طائلة، فيصبح و هو طفل الأمس و تلميذ اليوم يعد نفسه من الإعجاب و
الغرور بالأسرة و القبيلة علما
و مالا، و هو أجهل من
حماره، و أفقر نفسا من فأره، يذهب به الإعجاب مذاهب بعيدة جدا يرى فيها
إسته في الماء أن أنفه في السماء، و أنه أهل لأن ترد إليه و تصدر إليه
الجموع، و نظره لا يتجاوز نظر اليربوع، إنه العلامة الكبير المصلح، و
هو لا يفرق بين ..
الأرض و الأرضح، و أنه هو الوالي الصالح الذي إذا غضب على أحد لا يفلح
و وجهه كالح، و قلبه حالك ما زال غضب الله لهما
……
.
لا عجب، فالإعجاب يصور للمرء كل شيء مقلوبا، الإصلاح
إفسادا و
الإفساد إصلاحا، الطاعة معصية و المعصية طاعة، الدين كفرا و الكفر
دينا، الحلال حراما و الحرام حلالا، الواجب محرما و المحرم واجبا، الحق
باطلا و
الباطل حقا، العلم جهلا و الجهل علما، الورع سفها و السفه ورعا،
الأفاضل أراذل و الأراذل أفاضل، و هكذا يقلب الصور و الأوضاع و الأشكال
و الألوان، لكن هذا في نظر المغرور فقط، أما في نظر
الحقيقة و الواقع فالأمور كلها هي هي لا تتبدل و لا تتغير.
و قد يتأثر بعض الغوغاء بمثل هذا، فيحسب لغروره أنهم
إنما تأثروا لفضله و مآثره، فيزداد زهوا و إعجابا، و يتخذ ذلك كبرهان
على صحة حدسه و تخمينه، فيتخيل أن حوله قوة يمكنه أن يبلغ بها مآربه،
فتحدثه نفسه بالدخول إلى معترك الحياة.
و لمجرد ما يجد الجد و يحمى الوطيس يجمد دمه، و يتعقد
لسانه و يذهب عنه رشده و صوابه. فأين ذلك العلم الغزير و الشقشقة
الهذرية؟ و أين ذلك المال الواسع؟ تبخر مع دخان الإعجاب و الغرور، و
لم يبق منه لا أنصاف و
لا أثلاث و لا أرباع. و أين تلك الغوغاء و السلاح المفلول؟ كل ذلك ذهب
شذر مذر إزاء عزة الحق و صولته. و هل أجدى الإعجاب شيئا؟ كلا، لا نقيرا
و لا فتيلا.
قد يوبخ مثل هذا المغرور ضميره و يشخص له عاقبة الإعجاب
من الخيبة و الإخفاق، عسى أن يشفق على نفسه فينزلها منزلتها، و لا
يحملها ما لا طاقة لها به، و لكن سرعان ما يهجم عليه شيطانه فيوسوس له
و ينفخ في أوداجه فيزداد تعاظما و شموخا و لكن في الفضاء، و لا يلبث أن
يخر منه فيهوى في مكان سحيق.
و لقد صدق الحكيم، إذ قال: "أخوف ما أخافه على الرجل
إعجابه بنفسه"
يولد بكر بين عائلة مفتونة بحب الجاه و التسلط على رقاب
الناس فيرضع ذلك اللبن المسلول، فيحبو و يقوم و يمشي على رقاب الناس،
ثم يشب و
يترعرع و هو بين عائلته كالنخلة السحوق بين الفسائل، فيذهب به الإعجاب
بنفسه إلى عنان السماء، فيتخيل أنه يطير بجناحي نسر في جو السماء، و
هو لم يشعر أنه إنما يقفز في عشه بجناحي خفاش، و أنه باب المحامد و
المصالح
و هو عين كل مفسد طالح، و أنه يترجم عن المطالب و
الرغائب و هو ترجمان المثالب و المعائب، و أنه الساعي بين الهيئات
لإيجاد الالتحام والارتباط و هو الساعي بين الجموع بالفساد المعطل،
الخلاط الملاط و الموقد كل فتنة بوقيدة الوشاية و الخيانة و النفاق و
السبب في كل نبوة و كل شقاق.
قد يتأثر بعض الأغبياء مما يرون فيه من لسانين في فيه.
إما لداعي الغباوة، و إما لداعي الإفساد، و إما لداعي العصبية
الجاهلية،
فيتظاهرون بالالتفاف حوله فيحسب لغروره منهم ذلك لمكانته و منزلته و
ظله لا يتجاوز أنفه فتحدثه نفسه -التي نفخ فيها الشيطان فتضخمت-
بالنزول إلى الميدان فيركض فيه مع فرسان الحق، و لكن أنى له من
مسابقتها و هو لم يعد للسباق إلا أرجل الخيلاء و الإعجاب.
يأخذ في الجري فيتعثر في أول المضمار، و تخونه رجلاه
فيسقط معفرا في التراب فتدوسه سنابك الحق فيبقى بين بكاء و عويل لا
يجديه لسانه الطويل و لا جمعه الذليل، فيعيش أحقر من ذباب و أهون من
ذرقة على باب..
تلك هي عاقبة الغرور و الإعجاب بالنفس. و قد رأيت أيها
القارئ الكريم أن المغرورين المعجبين بنفوسهم، و إن اختلف سبب إعجابهم
من ثروة و علم و جاه لكنهم يتفقون في الخيبة و الحرمان و اصطدامهم في
سور الحق الحديدي، و لا مخلص لهم من ذلك إلا معرفة الإنسان نفسه و قياس
قدره بشبره "و قد عاش من عرف قدره".
و ليس قيمة الإنسان بماله أو علمه أو جاهه، و لكن بما
يحسنه من فضائل الأعمال، و هذا إنما يكون بالتعليم الصحيح، و التربية
الصحيحة، و مجالسة الأخيار، و مجانبة الأشرار، و الاهتداء بكتاب الله و
سنة رسوله الكفيلين بالعز و السعادة في الحال و المآل، و الله الموفق
للخير و الكمال.