لقد تساهلت المراجع العليا كثيرا في عدم تدقيق
النظر فيهم وفي إهمالها رغائب الأمة وصرخاتها الفائرة.
ولم ندر بماذا نفسر ذلك التساهل والإهمال منها مع
القدرة التامة على العدول عنه وعلى الاعتناء التام باختيار الأكفاء
اللهم إلا بشيء واحد هو تنفيذ فكرة إلغاء المحاكم الشرعية
الإسلامية تدريجيا وإكراه المسلمين على العدول عن أحكام الإسلام و
تزهيدهم فيها. وهو أمر خطير للغاية يعتبره المسلمون من الحكومة
جارحا لعواطفهم ونقضا علنيا لما التزمت لهم به من احترام ديانتهم
وعوائدهم وآدابهم وهدما صريحا لآخر زاوية بقيت من حصن الإسلام.
إذا لا فرق عندهم بين أن تلغى تلك المحاكم بتاتا
وبين أن تجعل فيها من يعمل على وجوب إلغائها بل هذا الأخير أدهى
وأمر إذا كان هذا الهدم بمعاول من أيدينا وفي شكل من التنويم
المغناطيسي لا يشعر به أحد.
وبيان ذلك أن جعل تلك الآلات المتحركة على رأس
المحاكم الشرعية يقضي بطبيعة الحال إلى العسف والحيف والظلم
والجور وإلى السلب والنهب واللصوصية بطرق مختلفة.
وهذه الفوضى تبرهن من جهة للعالم على أن ليس في
المسلمين رجال أكفاء يصلحون لإدارة شؤونهم وإنما هم جهلة سفهاء
كما لا يسوغ العدل إبقاء شيء بأيديهم
كما تلجئ المسلمين من جهة أخرى إلى صرف وجوههم عن
محاكم هي في نظرهم مقر ذئاب لا مقر رعاة، وتوليتها على محاكم غير
إسلامية وليس وراء هذا إلا إقفال تلك المحاكم لكن بأيدينا ودحرجة
من كان على منصات أحكامها تلك بأيديهم. وهذا هو عين القضاء على
البقية الباقية من معالم الإسلام لكن في أشخاصهم المزورة.
قد يقال
إن
الحكومة لا تقصد بتسميتها أمثال أولئك في المحاكم شيئا مما ذكر
فلو أن لها قصدا سيئا في ذلك لقصدته رأسا.
ونحن نشك كثيرا في ذلك، و
إلا كيف تنتقي من بين أفراد الأمة جهلاء وأميين
فتنصبهم على محاكمها بعد أن خبرتهم و جربتهم وأسمعتها الأمة
كلمتها فيهم، وأنهم قد برهنوا بدلائل قاطعة على أنهم عجزة غير
لائقــين بشيء من أمــور المحاكم وأن وجودهم ضرر كبير على الشرع
الإسـلامي وشامة سوداء في وجه العدالة الفرنسية ..
و هل بعد هذا كله تسمح الحكومة لأمثال أولئك
العجزة بجعلهم في محاكمها هي وتعطف عليهم على سوء تصرفاتهم؟ وإذا
كانت لا تسمح بذلك لأمثالهم فلماذا تتسامح ذلك التسامح بالنسبة
للمحاكم الشرعية الإسلامية إذا؟
وكونها لو أرادت إلغاء المحاكم لقصدته رأسا لا
يزيدنا إلا قوة في الشك و
الارتياب، لأن قصد الإلغاء رأسا يتعذر هذه الساعة مراعاة لعواطف
المسلمين، ومن الدهاء أن لا يؤتى المسلمون من الناحية التي تثير
غضبهم كما لاحظه بعض الذوات العالين، و سواء أكان لها قصد في ذلك
أم لا فإن نتيجة خطئها في نصب الأميين والجهلاء تؤدي إلى ذلك طبعا
وهـو عين الخطر كما تراءت بوادره في بعض المواقع.
إن تهافتكم أيها الأغرار وتطفلكم على منصات الأحكام
الشرعية بدون أخذ العدة اللازمة لها، وخطتكم العرجاء فيها وهتككم
لحرمة الإسلام وسخريتكم بكرامة الأمة وعدم اكتراثكم بغضب الله
وسخطه، لا يعود ضررها في النهاية إلا عليكم ولا تعلق مسؤوليتـها
إلا على كواهلكم فأنتم إنما تجنون على أنفسكم وتحفرون هوتكم
بأيديكم من حيـث لا تشعرون فأشفقوا على أنفسكم إن كنتم تريدون لها
الخير حقيقة وإلا فإنكم ستجـنون وشيكا أشواك الخزي في الدنيا
والعذاب الأليم في الأخرى وإلى اللقاء.