|
لعل
الصورة الحقيقية لصحافة أبي اليقظان ،
لا تتضح أمام أعيننا ما لم تتعرف على
خصائص أسلوبه الصحفي النفسية منها
والفنية ، وأعني بالخصائص النفسية هنا
ما يعطي لكل كتابة ميزتها الخاصة بها
فتغدو علامة تميز هذا الكاتب أو ذاك
تنم عنه ، وتعبر عن شخصيته ، وتلتصق به
دون غيره ، بل أن هذه الخصيصة عند فطاحل
الكتاب لا تقبل المماثلة أو التكرار .
وفاقا
لهذه النظرية التي عبر عنها الناقد
الفرنسي تين ( TAINE ) بقوله : ( الأسلوب هو
الرجل ) نحاول أن ندرس أسلوب أبي
اليقظان بميزته النفسية والفنية ، وقد
يكون الفصل بين الميزتين نوعا من
التعسف لا يرتضيه الكثيرون ولعلي أنا
الآخر لا أرتضيه ، ولكن الدراسة
المنهجية ترتضيه وتفرضه .
أولا
ـ الخصائص النفسية :
1.
الصراحة :
أول ما يلفت نظر الدارس وهو يتابع
مقالات أبي اليقظان الصحفية من بداية
ظهورها في العشرينيات إلى نهايتها في
الأربعينيات ـ هو هذا الشعور الذي يصحب
ـ القارئ دوما بأنه أمام كاتب يتفجر
الصدق والاخلاص من بين كل كلمة يتفوه
بها ، وهذه القناعة التي تملأ جوانحنا
بأننا ازاء قلم داعية اسلامي أخلص لله
رسالته الصحفية وصدر عن هذا الايمان في
كل أقواله ، ومن ثم يجيء احساسنا بأن
أسلوب هذا الكاتب لا يختلف في شيء عن
هذه الأساليب القوية الواضحة التي
يعرف مثيلا لها عند الدعاة من أمثال
الكواكبي ، والأفغاني ، ومحمد عبده ،
ورشيد رضا ، ومحب الدين الخطيب ، وابن
باديس ، وغيرهم من دعاة الاصلاح
الاسلاميين الصادقين .
وقد أوضح أبو اليقظان في كلمات عن
هذا الاحساس القوي الذي يدفعه الى
الكتابة وهو بمثابة الطاقة التي يتزود
منها ويستمد من حراراتها ، حيث قال :
" ان رسالتي انسانية ، لا يقظانية ،
ولا مذهبية ، اذا كتبت أو وعظت ، أوجه
نصائحي ووعظي وارشادي الى كل المسلمين
، فانه يعلم الله كم يكون فرحي شديدا
برجوع المسلمين الى جادة الحق
والاسلام .. وكل فرد كنت أنا السبب في
انقاذه من النار كم يلحقني من فرح
وسرور وبهجة بذلك .
واذا كان الانسان صادقا في ايمانه
ثابتا في مبدأه ، مخلصا في نواياه ، لا
تحدو به رغبة أو رهبة دنيوية ، أصبحت
الصراحة من أبرز صفاته ، وبات الوضوح
والصدق ، والقوة ، من أبرز ما يطالعك من
خلال كتاباته .
ولا يلتقي القارئ بأبي اليقظان في
جل مقالاته الا واضحا في أفكاره ،
قاصدا في فقراته ، مباشرا في طعناته
فهو لا يحسن المداورة والمناورة ، ولا
يطمئن للكتابات والاشارات الا فيما قل
وندر ، وأن هذه الصراحة لتدفع به حينا
الى نوع من التهور والجرأة ، ويعدها
بعض أولئك الذين يتخذون من الصحافة
سياسة من معائب الأسلوب الصحفي ، ولكن
قد يغفر لأبي اليقظان هذا السلوك أنه
داعية قبل أن يكون صحفيا ، ومصلحا قبل
أن يكون دبلوماسيا .
ولعل الواقع الجزائري في تلك
الظروف كان الى هؤلاء الصادقين في حاجة
أشد وأوكد من الصحافيين المتملقين ،
ويبدو أن اختياره لهذا الأسلوب قد أثار
ضده بعض المنتقدين الذين يرون في هذا
الأسلوب القاء بالنفس الى التهلكة ،
وأن الهمس ومعالجة المواضيع بالحسنى
هو أليق بالصحفي الناجح ، وقد راح أبو
اليقظان يهاجم هذه النظريات ويبين ما
فيها من تخاذل وجبن ، وأن المرحلة التي
تمر بها الأمة تستدعي من المصلحين
الصراحة لا الهمس ، والمباشرة والقصد
" لا التملق والنفاق والتدجيل
والمداهنة " .
" ان للدواء الناجع لا يكون ، ولن
يكون بالدعن على الوبر ، وامراره على
ظاهر الجرح فان هذا لا يزيد للمرض الا
خطورة واستفحالا فهلاكا وموتا ، وانما
يكون بسبر غور الجرح وتطهيره بأنواع
المطهرات وازالة ما فسد منه ، ثم وضع
الدواء له وتضميده " .
بل انه ليرى اذا كان الدافع لايثار
الهمس هو الخوف من الخصم ، فان ذلك لا
يزيد للمتهامس عند الخصم الا سخرية
واستخفافا " فإن الخصم مهما سفلت
قيمته وانحطت ليرى في نفسه للصدق قيمته
، وللصراحة شأنها وللحق روعته وجلالته
وان تظاهر بخلاف ذلك " .
على أننا اذا استحضرنا الظروف
العصيبة التي كان رجالات الاصلاح
يعيشونها ومواقف الضغط والارهاب التي
كانوا يتعرضون لها .
2.
التحمس :
ومن خصائصه النفسية ما يطبع
مقالاته من تحمس شديد ، يكاد يكون في
بعض الأحيان اندفاعا ، فهو يشعرك وأنت
تتابع كلماته بأنك ازاء كاتب متوثب
الروح ، متقد الأنفاس تجدك وأنت تبدأ
أول المقال مسوقا برغبة عارمة على
متابعته ، مأخوذا بهذه الشخصية القوية
التي تملأ كل جارحة فيك ، وتكاد تلمس
بأصابع يديك ملامح وجه الكاتب وهو
يحدثك بانفعال عاطفي حاد ، مؤمن بما
يقول من قمة رأسه الى أخمص قدميه ، مما
يجعلنا نجد أنفسنا أحيانا مبهوري
الأنفاس وكاننا أمام خطيب لا امام كاتب
صحفي .
فأبو اليقظان لا يكتب شأن بعض
صحفيي اليوم ليملأ فراغا تتطلبه منه
أعمدة الجريدة أو تفرضه المهنة ، ولا
تشعر معه بهذا الفتور واللامبالاة
التي تعترينا ونحن نتابع بعض هذا
الكلام المفتعل الذي تمجه الجرائد
المأجورة . وهذا التحمس الشديد يعود
فيما نحسب الى سببين رئيسيين ، عام ،
وخاص ، أما العام : فمرجعه الى أن أغلب
الصحف الاصلاحية في العشرينيات
والثلاثينيات كانت صحف رأي ومبدأ قبل
أن تكون صحف اعلام وخبر ، وأنها كانت
تتخذ من نفسها وسيلة تربية وتثقيف
وتوعية ، لا وسيلة تصفيق ، وتطبيل ،
وهنا يكمن السر بين الصدق والنفاق .
أما الخاص : فيعود الى طبيعة نفسية
ركب بها أبو اليقظان فغدت خلقا من
أخلاقه وميزة من ميزاته ، وهو هذه
الحساسية التي تغلب على طبعه
والعاطفية التي تغلب على بعض مواقفه ،
ولا سيما اذا كان الموضوع يمس المشاعر
والأحاسيس أو يتعلق بالمقومات الروحية
وهنا تتحول العبارات الى شحنات من
الثورة والغضب ، تدل على انفعال حاد
وتأثر بليغ .
من ذلك هذه الفقرات التي جاءت
مقدمة لمقال نشره بعد أن اعتدت السلطات
الفرنسية على مجلس من مجالس القرآن في
غرداية بدعوى حرمة الاجتماعات .
" .. حكاية حقيقية لا خيالية عن
أبناء القرن العشرين عصر العلم والنور
.. وحادثا فظيعا وقع لا في جزائر "
الواق واق " لكن
في وادي ميزاب .. حادثا لا كالأحداث
، ونائبة لا كالنواب ، ونكبة لا
كالنكبات ، ومصيبة لا كالمصائب ، ألا
وهو الأعتداء على كرامة الدين
الاسلامي وتهجم السلطة بقوتها على
حرمة الدين والقرآن الكريم واعتقالها
اثنين من بين فضلاء مجلس القرآن في
السجن وتغريم ستة من أعضاء جماعة
الضمان " .
وأبو اليقظان نفسه شاعر بطبعه رقيق
الحاشية ذو حساسية مرهفة تجاه ما يمس
الوجدان ، وهو يدرك هذه المميزات في
طبعه عندما كتب متكلما عن ميوله قائلا :
" ان صناعتي الأصلية الفلاحة ، ففيها
رياضتي ، وفيها أنسي ووحشتي .. وأنا
طبعي شاعر يميل بفطرته إلى المناظر
الجميلة من مزارع وأشجار ، ونخيل وظلال
في سائر فصول السنة ، وخصوصا الربيع
الذي هو ريحانة فصول السنة " .
" وله ولوع فطري بكل ما يرقص
النفوس وينعش الروح ويحرك الأعصاب ،
ويهز أوتار القلوب ، ويثير مكامن
الشعور والاحساس .
فهذه الحساسية التي ركبت بها نفسه
يمكن أن تكون من أهم العوامل الكامنة
وراء ما يلاحظ في كتابته أحيانا من
تحمس شديد يتحول أحيانا الى مبالغة
وتهويل ، وكان يعمد الى هذه المبالغات
المثيرة في العناوين بصفة خاصة ، ولعله
كان يختارها عمدا كذلك الفاتا للنظر ،
واستحوذا على الاهتمام .
وقد تدفعه الحماسة الشديدة أحيانا
الى الثورة والغضب ، ولا سيما اذا كان
الموضوع على حد تعبيره يمس الدين ، أو
الوطن ، أو العرض .
ولعل أوضح مثال على ذلك هو موقفه
الشهير من المبشرين ، وما كتبه في
ملاحقتهم من مقالات نارية عديدة ، فقد
كان في حملاته العنيفة ضدهم يتدفق في
حماس عارم ، كالسيل الجارف ، أو ينقض
عليهم انقضاضا جارحا كالعقاب الكاسر
مستعملا في ذلك أسلوبا لا هوادة فيه
ولا لين ، لا لطف ولا تسامح ، والحق أن
حدة الانفعال قد تبلغ به أحيانا
منتهاها فتجيء عباراته أقرب ما تكون
الى الخطب الثائرة منها الى المقالات
الصحفية الرصينة .
ولعل ما يتميز به قلبه من غيظ ، وما
يعتمل في صدره من حنق ضد الانحراف
الديني ، تبشيرا أو تعصبا يدفعانه
أحيانا الى استعمال بعض الألفاظ
النابية فيغلظ القول اغلاظا ، ويصف
المعني بالأمر بصفات قد تجرح الكرامة ،
كما حدث ذلك مع المبشرين فقد وصفهم
بالجنون ، والحمق ، والغباوة ، والبله
، ونعتهم بأنهم لصوص عقول .. ووسطاء
شقاء ودعاة ظلام .. " .
وله مواقف متشابهة مع خصوم الاصلاح
، وكان طبيعيا أن تكون عباراته مشحونة
بالغضب فهو في موقف يدافع فيه عن
الفكرة والمبدأ لا سيما وأن اذاية
هؤلاء وأولئك أصابته في الصميم اذا
وقفوا أمام جرائده بالدعاية المضادة ،
والتهم الباطلة بل والتواصل الى حد
الحجز والمصادرة .
3.
التفصيل والتحليل :
من مميزات الكتابة عند أبي اليقظان
أنه طويل النفس في الكتابة ، وأبرز
مقالاته ولا سيما الافتتاحيات منها
تتسم بالطول ، وقد يكون طولا مفرطا
أحيانا .. وأحسب بأن هذا التطويل جاء
نتيجة طبيعية لمفهوم الكتابة الصحفية
عند كتاب عهد الاصلاح بصفة عامة فان
رغبتهم الشديدة في ايصال ما يريدون
قوله الى قرائهم واقناعهم بأفكارهم ،
كان يدفعهم الى التفصيل والتحليل
والتعليل بل والى التكرار في بعض
الأحيان .
فان القارئ يشعر وكأن الكاتب لا
يرتضيه أن تنفلت منه جزئية واحدة من
الموضوع الذي يعالجه ، فهو لا يزال
يجهد نفسه في ملاحقتها بدون كلل أو
عياء وهكذا يضع للموضوع مقدمة ، وصلبا
، وخاتمة ، وقد يقسم الموضوع الواحد
الى عناوين فرعية كثيرة .
وحرصا منه على تقريب المعنى الى
ذهن القارئ واقناعه به ، نراه يسوق
الأمثلة المحسوسة من واقع الحياة
المعاشة ويسند أقواله بالآيات
القرآنية ، والأحاديث النبوية ، أو
يشفعها بالأبيات الشعرية والأمثال
العربية ، وهكذا يطول به نفس الكتابة
حتى يضع بين يديك للموضوع الواحد ،
سلسلة مقالات متتابعة قد تصل إلى سبع
حلقات أحيانا ، مما يضفي في واقع الأمر
على المقال طابع المحاضرة أو البحث ،
وهو أمر يجعل المقال خليطا من الخطبة
والمحاضرة ، والبحث .
ولعل طغيان الشخصية التعليمية على
أبي اليقظان أو غيره ممن يشبهه في هذه
الميزة ، من الأسباب التي تدفعهم الى
هذا النوع من التفصيل ، وأن جل كتاب عهد
الاصلاح معلمون في الكتاتيب أو وعائظ
في المساجد أو خطباء في المحافل ن وقد
يتصف الواحد منهم بهذه الصفات كلها ،
ويقوم المهام جميعها .
ولعل شعورهم بمسؤولية التوجيه
والتربية ، كانت تخلق في نفوسهم ما
يشبه الوسواس فيلحون على الموضوع
تدقيقا وتمحيصا ولا يرفعون أقلامهم
عنه حتى يهدا هذا الهاجس في داخلهم .
وكمثال على ما نزعم نحيل القارئ الى
المواضيع التالية : تجارتنا وتجارتهم ،
وباء الفجور ، التعاون الاجتماعي
وآثاره في الأمم والجماعات .
ثانيا
: الخصائص الفنية :
من خلال تتبعنا لمقالات أبي
اليقظان نقف على خصائص أسلوبه الفنية .
فإذا كانت الكتابة الصحفية في زماننا
هذا تجئ خلوا من البهرج والزينة ،
وعطلا من التعبيرات الرائعة ـ بحكم
التطور السريع الذي عرفته الكتابة
الصحفية ـ فان الأمر كان يختلف تماما
بالنسبة للكتابة الصحفية في
العشرينيات والثلاثينيات ، عندما كانت
هذه الكتابة فنا من الفنون الأدبية ،
لا تختلف في شيء عن النشر الفني يعتني
بها أصحابها العناية كلها ويولون
للشكل من الجهد قدر ما يستحقه المضمون
تماما . من هنا نفهم هذه العناية
الشديدة التي كان يوليها لمقالاته ولا
سيما الافتتاحيات منها ، مما أضفى
عليها مسحة أدبية واضحة .
هذه المسحة لا تتجلى في الأفكار
المنظمة المتسلسلة في انسجام وتنسيق
فحسب ، وانما تتجلى أيضا في لغتها
العربية السليمة ، وتراكيبها المنتقاة
بعناية ، وقربها الشديد من مصادر الأدب
العربي واستقائها منها .
وأبو اليقظان كان يفعل ذلك عمدا
واختيارا ، ويتخذه مذهبا في الكتابة ،
يراه من مكملات الفن الصحفي لذا فهو
يحتفل بمقالاته الاحتفال البليغ حيث
يقول :
"
.. اذا أعددنا موضوع المقال الافتتاحي
للعدد ، وكنا مشبعين بفكرته ولم يبق
لنا الا نسجه في ديباجة يستحقها ،
اخترنا له وقتا كافيا جامعا للفراغ
والنشاط الذهني ، خاليا من الهموم
والغموم ، ومكانا خاليا من الجلبة
والضوضاء ، واذا توفرت مع هذه الشروط
مناظر جميلة مثل حديقة " بارك دوقان
" (1) ومثل حديقة الحيوانات في الحامة
العاصمة ، أو مثل حديقة " البلفدير
" بتونس فحبذا حبذا ، والا راعيت في
مكان التحرير شرطين أساسيين ، الضوء
الكافيء ، وخلوه من الجلبة والضوضاء
وقد التزم مكان الحدائق الغناء اذا كان
الموضوع صعبا وعسيرا وشديدا " .
اذا كانت عناية أبي اليقظان بالظرف
الزماني والمكاني بمثل هذا الاحتفال
العظيم ، فان عنايته بأسلوب الكتابة ـ
وهو الأهم ـ لا تقل عنده أهمية عن
الاعداد للكتابة .
" .. اني كثير السخاء بتشطيب ما
يجب تشطيبه ، وتبديل ما يجب تبديله ولا
يهمني ذلك ، وانما يهمني الاجادة
ومطابقة الموضوع ، وجمال الأسلوب ،
وكمال التنسيق ، وانسجام المقال ، وقد
اتخذ مسودة ثم أبيض اذا كان الموضوع
شائكا أو ذا مسؤولية ".
إلى هنا ندرك إلى أي حد كان شكل
الكتابة وأسلوبها ذا مكانة مرموقة عند
أبي اليقظان ، ونتبين من خلال النصين
السابقين بأن الشكل عنده لا يقل قيمة
عن المضمون .
ان هذه الحفاوة بالأسلوب طبعت
كتابته ببعض المميزات التي نرى الوقوف
عندها وتبيانها من مكملات هذه الدراسة
، ولعل أبرز سمات الكتابة عنده تتلخص
فيما يلي :
ـــــــــــــــــــ
(1)
حديقة بارك دوقالون : تقع في مكان مشرف
يطل على الجزائر العاصمة ويطلق عليها
اسم : حديقة الحرية حاليا .
1.
الأسلوب الخطابي :
ونعني بالأسلوب الخطابي ما يغلب
على طريقة التعبير عنده من توجيه
الكلام مباشرة الى القارئ واستعمال
لأدوات الخطاب كحروف النداء ،
والاستفهام ، والتعجب ، والانكار ، وصب
كل ذلك في صيغ بلاغية مثيرة يقصد بها
غالبا الى اثارة انتباه القراء
والاستحواذ على عواطفهم ، ومن ثم فان
أبرز الصيغ التي يقدم بها جمله تكون
صيغا استفهامية تعتمد طريقة التساؤل
يستدرج بها القارئ غالبا الى متابعته
ومسايرته وضمان استيعاب ما يريد
ايصاله اليه من أفكار .
والحق أن هذه الطريقة غالبا ما
تجذب القارئ اذا كان منصفا ، أو تربكه
اذا كان عنيدا .
ونقدر بأنه من أهم العوامل التي
تدفع أبا اليقظان الى ايثار هذه الصيغ
عن غيرها ـ وهي طريقة تهدف إلى اثارة
العواطف وتنبيهها ـ الرغبة التي تكون
لدى رجال الاصلاح ، والدعاة ، والقادة
، والزعماء عادة في التأثير على
أتباعهم ومريديهم ، وليس ثمة أكثر
تأثيرا على وجدان المتلقي من الصيغ
المباشرة الخطابية فان ما يعتمده مثل
هذا الأسلوب من صيغ استفهامية ، بلاغية
، وتكرار ، تجعله أداة صالحة لتوضيح
الفكرة في ذهن القارئ واقتناعه بها ،
فاذا بها آخر الأمر باقية في ذهنه
وحدها بارزة ، لا تتعلق بها شائبة من
هاجسة أو شك .
وإذا كانت الأمثلة على هذا المنحى
الأسلوبي عند أبي اليقظان أوضح من أن
نسوق لها نموذجا ، فإنه لا بأس من أن
نستشهد هنا بهذه الفقرات التي
اقتبسناها من مقال يستحث فيه همم
العاملين من الأمة الجزائرية في بداية
نهضتها .
وقد آثر أن يوجه الخطاب إلى الأمة
الجزائرية أولا ، ثم إلى رجال الاصلاح
ثانيا ، وذلك حيث يقول :
" مسكينة أيتها الأمة الجزائرية
!؟ ..
إذا أنت لم تبك لآلامك فمن الذي
يبكي لك ؟ إذا أنت لم ترثي لحالك فمن
الذي يرثي للك ؟ إذا أنت لم تقومي
بمشاريعك فمن ذا الذي يقوم بها ؟ إذا
أنت لم تخدمي نفسك فمن ذا الذي يخدمك ؟
إذا أنت لم تستوردي منك رجالك لاجيائك
واعزازك فمن الذي يستوردهم لك ؟ ومن
أين ؟
.. مالي أراكم أيها السادة في نزاع
وشقاق ، وتطاحن على القشور والسفاسف ؟
وأمامكم أعمال كثيرة وأشغال خطيرة
أفواهها فاغرة ، ومجالاتها شاغرة !
.. ان الأمر ليس بالهزل ، والوقت
قصير ليس له من طول .. " .
وهكذا نلاحظ كيف تتغلب النزعة
|