|
لعل
الصورة الحقيقية لصحافة أبي اليقظان ،
لا تتضح أمام أعيننا ما لم تتعرف على
خصائص أسلوبه الصحفي النفسية منها
والفنية ، وأعني بالخصائص النفسية هنا
ما يعطي لكل كتابة ميزتها الخاصة بها
فتغدو علامة تميز هذا الكاتب أو ذاك
تنم عنه ، وتعبر عن شخصيته ، وتلتصق به
دون غيره ، بل أن هذه الخصيصة عند فطاحل
الكتاب لا تقبل المماثلة أو التكرار .
وفاقا
لهذه النظرية التي عبر عنها الناقد
الفرنسي تين ( TAINE ) بقوله : ( الأسلوب هو
الرجل ) نحاول أن ندرس أسلوب أبي
اليقظان بميزته النفسية والفنية ، وقد
يكون الفصل بين الميزتين نوعا من
التعسف لا يرتضيه الكثيرون ولعلي أنا
الآخر لا أرتضيه ، ولكن الدراسة
المنهجية ترتضيه وتفرضه .
أولا
ـ الخصائص النفسية :
1.
الصراحة :
أول ما يلفت نظر الدارس وهو يتابع
مقالات أبي اليقظان الصحفية من بداية
ظهورها في العشرينيات إلى نهايتها في
الأربعينيات ـ هو هذا الشعور الذي يصحب
ـ القارئ دوما بأنه أمام كاتب يتفجر
الصدق والاخلاص من بين كل كلمة يتفوه
بها ، وهذه القناعة التي تملأ جوانحنا
بأننا ازاء قلم داعية اسلامي أخلص لله
رسالته الصحفية وصدر عن هذا الايمان في
كل أقواله ، ومن ثم يجيء احساسنا بأن
أسلوب هذا الكاتب لا يختلف في شيء عن
هذه الأساليب القوية الواضحة التي
يعرف مثيلا لها عند الدعاة من أمثال
الكواكبي ، والأفغاني ، ومحمد عبده ،
ورشيد رضا ، ومحب الدين الخطيب ، وابن
باديس ، وغيرهم من دعاة الاصلاح
الاسلاميين الصادقين .
وقد أوضح أبو اليقظان في كلمات عن
هذا الاحساس القوي الذي يدفعه الى
الكتابة وهو بمثابة الطاقة التي يتزود
منها ويستمد من حراراتها ، حيث قال :
" ان رسالتي انسانية ، لا يقظانية ،
ولا مذهبية ، اذا كتبت أو وعظت ، أوجه
نصائحي ووعظي وارشادي الى كل المسلمين
، فانه يعلم الله كم يكون فرحي شديدا
برجوع المسلمين الى جادة الحق
والاسلام .. وكل فرد كنت أنا السبب في
انقاذه من النار كم يلحقني من فرح
وسرور وبهجة بذلك .
واذا كان الانسان صادقا في ايمانه
ثابتا في مبدأه ، مخلصا في نواياه ، لا
تحدو به رغبة أو رهبة دنيوية ، أصبحت
الصراحة من أبرز صفاته ، وبات الوضوح
والصدق ، والقوة ، من أبرز ما يطالعك من
خلال كتاباته .
ولا يلتقي القارئ بأبي اليقظان في
جل مقالاته الا واضحا في أفكاره ،
قاصدا في فقراته ، مباشرا في طعناته
فهو لا يحسن المداورة والمناورة ، ولا
يطمئن للكتابات والاشارات الا فيما قل
وندر ، وأن هذه الصراحة لتدفع به حينا
الى نوع من التهور والجرأة ، ويعدها
بعض أولئك الذين يتخذون من الصحافة
سياسة من معائب الأسلوب الصحفي ، ولكن
قد يغفر لأبي اليقظان هذا السلوك أنه
داعية قبل أن يكون صحفيا ، ومصلحا قبل
أن يكون دبلوماسيا .
ولعل الواقع الجزائري في تلك
الظروف كان الى هؤلاء الصادقين في حاجة
أشد وأوكد من الصحافيين المتملقين ،
ويبدو أن اختياره لهذا الأسلوب قد أثار
ضده بعض المنتقدين الذين يرون في هذا
الأسلوب القاء بالنفس الى التهلكة ،
وأن الهمس ومعالجة المواضيع بالحسنى
هو أليق بالصحفي الناجح ، وقد راح أبو
اليقظان يهاجم هذه النظريات ويبين ما
فيها من تخاذل وجبن ، وأن المرحلة التي
تمر بها الأمة تستدعي من المصلحين
الصراحة لا الهمس ، والمباشرة والقصد
" لا التملق والنفاق والتدجيل
والمداهنة " .
" ان للدواء الناجع لا يكون ، ولن
يكون بالدعن على الوبر ، وامراره على
ظاهر الجرح فان هذا لا يزيد للمرض الا
خطورة واستفحالا فهلاكا وموتا ، وانما
يكون بسبر غور الجرح وتطهيره بأنواع
المطهرات وازالة ما فسد منه ، ثم وضع
الدواء له وتضميده " .
بل انه ليرى اذا كان الدافع لايثار
الهمس هو الخوف من الخصم ، فان ذلك لا
يزيد للمتهامس عند الخصم الا سخرية
واستخفافا " فإن الخصم مهما سفلت
قيمته وانحطت ليرى في نفسه للصدق قيمته
، وللصراحة شأنها وللحق روعته وجلالته
وان تظاهر بخلاف ذلك " .
على أننا اذا استحضرنا الظروف
العصيبة التي كان رجالات الاصلاح
يعيشونها ومواقف الضغط والارهاب التي
كانوا يتعرضون لها .
2.
التحمس :
ومن خصائصه النفسية ما يطبع
مقالاته من تحمس شديد ، يكاد يكون في
بعض الأحيان اندفاعا ، فهو يشعرك وأنت
تتابع كلماته بأنك ازاء كاتب متوثب
الروح ، متقد الأنفاس تجدك وأنت تبدأ
أول المقال مسوقا برغبة عارمة على
متابعته ، مأخوذا بهذه الشخصية القوية
التي تملأ كل جارحة فيك ، وتكاد تلمس
بأصابع يديك ملامح وجه الكاتب وهو
يحدثك بانفعال عاطفي حاد ، مؤمن بما
يقول من قمة رأسه الى أخمص قدميه ، مما
يجعلنا نجد أنفسنا أحيانا مبهوري
الأنفاس وكاننا أمام خطيب لا امام كاتب
صحفي .
فأبو اليقظان لا يكتب شأن بعض
صحفيي اليوم ليملأ فراغا تتطلبه منه
أعمدة الجريدة أو تفرضه المهنة ، ولا
تشعر معه بهذا الفتور واللامبالاة
التي تعترينا ونحن نتابع بعض هذا
الكلام المفتعل الذي تمجه الجرائد
المأجورة . وهذا التحمس الشديد يعود
فيما نحسب الى سببين رئيسيين ، عام ،
وخاص ، أما العام : فمرجعه الى أن أغلب
الصحف الاصلاحية في العشرينيات
والثلاثينيات كانت صحف رأي ومبدأ قبل
أن تكون صحف اعلام وخبر ، وأنها كانت
تتخذ من نفسها وسيلة تربية وتثقيف
وتوعية ، لا وسيلة تصفيق ، وتطبيل ،
وهنا يكمن السر بين الصدق والنفاق .
أما الخاص : فيعود الى طبيعة نفسية
ركب بها أبو اليقظان فغدت خلقا من
أخلاقه وميزة من ميزاته ، وهو هذه
الحساسية التي تغلب على طبعه
والعاطفية التي تغلب على بعض مواقفه ،
ولا سيما اذا كان الموضوع يمس المشاعر
والأحاسيس أو يتعلق بالمقومات الروحية
وهنا تتحول العبارات الى شحنات من
الثورة والغضب ، تدل على انفعال حاد
وتأثر بليغ .
من ذلك هذه الفقرات التي جاءت
مقدمة لمقال نشره بعد أن اعتدت السلطات
الفرنسية على مجلس من مجالس القرآن في
غرداية بدعوى حرمة الاجتماعات .
" .. حكاية حقيقية لا خيالية عن
أبناء القرن العشرين عصر العلم والنور
.. وحادثا فظيعا وقع لا في جزائر "
الواق واق " لكن
في وادي ميزاب .. حادثا لا كالأحداث
، ونائبة لا كالنواب ، ونكبة لا
كالنكبات ، ومصيبة لا كالمصائب ، ألا
وهو الأعتداء على كرامة الدين
الاسلامي وتهجم السلطة بقوتها على
حرمة الدين والقرآن الكريم واعتقالها
اثنين من بين فضلاء مجلس القرآن في
السجن وتغريم ستة من أعضاء جماعة
الضمان " .
وأبو اليقظان نفسه شاعر بطبعه رقيق
الحاشية ذو حساسية مرهفة تجاه ما يمس
الوجدان ، وهو يدرك هذه المميزات في
طبعه عندما كتب متكلما عن ميوله قائلا :
" ان صناعتي الأصلية الفلاحة ، ففيها
رياضتي ، وفيها أنسي ووحشتي .. وأنا
طبعي شاعر يميل بفطرته إلى المناظر
الجميلة من مزارع وأشجار ، ونخيل وظلال
في سائر فصول السنة ، وخصوصا الربيع
الذي هو ريحانة فصول السنة " .
" وله ولوع فطري بكل ما يرقص
النفوس وينعش الروح ويحرك الأعصاب ،
ويهز أوتار القلوب ، ويثير مكامن
الشعور والاحساس .
فهذه الحساسية التي ركبت بها نفسه
يمكن أن تكون من أهم العوامل الكامنة
وراء ما يلاحظ في كتابته أحيانا من
تحمس شديد يتحول أحيانا الى مبالغة
وتهويل ، وكان يعمد الى هذه المبالغات
المثيرة في العناوين بصفة خاصة ، ولعله
كان يختارها عمدا كذلك الفاتا للنظر ،
واستحوذا على الاهتمام .
وقد تدفعه الحماسة الشديدة أحيانا
الى الثورة والغضب ، ولا سيما اذا كان
الموضوع على حد تعبيره يمس الدين ، أو
الوطن ، أو العرض .
ولعل أوضح مثال على ذلك هو موقفه
الشهير من المبشرين ، وما كتبه في
ملاحقتهم من مقالات نارية عديدة ، فقد
كان في حملاته العنيفة ضدهم يتدفق في
حماس عارم ، كالسيل الجارف ، أو ينقض
عليهم انقضاضا جارحا كالعقاب الكاسر
مستعملا في ذلك أسلوبا لا هوادة فيه
ولا لين ، لا لطف ولا تسامح ، والحق أن
حدة الانفعال قد تبلغ به أحيانا
منتهاها فتجيء عباراته أقرب ما تكون
الى الخطب الثائرة منها الى المقالات
الصحفية الرصينة .
ولعل ما يتميز به قلبه من غيظ ، وما
يعتمل في صدره من حنق ضد الانحراف
الديني ، تبشيرا أو تعصبا يدفعانه
أحيانا الى استعمال بعض الألفاظ
النابية فيغلظ القول اغلاظا ، ويصف
المعني بالأمر بصفات قد تجرح الكرامة ،
كما حدث ذلك مع المبشرين فقد وصفهم
بالجنون ، والحمق ، والغباوة ، والبله
، ونعتهم بأنهم لصوص عقول .. ووسطاء
شقاء ودعاة ظلام .. " .
وله مواقف متشابهة مع خصوم الاصلاح
، وكان طبيعيا أن تكون عباراته مشحونة
بالغضب فهو في موقف يدافع فيه عن
الفكرة والمبدأ لا سيما وأن اذاية
هؤلاء وأولئك أصابته في الصميم اذا
وقفوا أمام جرائده بالدعاية المضادة ،
والتهم الباطلة بل والتواصل الى حد
الحجز والمصادرة .
3.
التفصيل والتحليل :
من مميزات الكتابة عند أبي اليقظان
أنه طويل النفس في الكتابة ، وأبرز
مقالاته ولا سيما الافتتاحيات منها
تتسم بالطول ، وقد يكون طولا مفرطا
أحيانا .. وأحسب بأن هذا التطويل جاء
نتيجة طبيعية لمفهوم الكتابة الصحفية
عند كتاب عهد الاصلاح بصفة عامة فان
رغبتهم الشديدة في ايصال ما يريدون
قوله الى قرائهم واقناعهم بأفكارهم ،
كان يدفعهم الى التفصيل والتحليل
والتعليل بل والى التكرار في بعض
الأحيان .
فان القارئ يشعر وكأن الكاتب لا
يرتضيه أن تنفلت منه جزئية واحدة من
الموضوع الذي يعالجه ، فهو لا يزال
يجهد نفسه في ملاحقتها بدون كلل أو
عياء وهكذا يضع للموضوع مقدمة ، وصلبا
، وخاتمة ، وقد يقسم الموضوع الواحد
الى عناوين فرعية كثيرة .
وحرصا منه على تقريب المعنى الى
ذهن القارئ واقناعه به ، نراه يسوق
الأمثلة المحسوسة من واقع الحياة
المعاشة ويسند أقواله بالآيات
القرآنية ، والأحاديث النبوية ، أو
يشفعها بالأبيات الشعرية والأمثال
العربية ، وهكذا يطول به نفس الكتابة
حتى يضع بين يديك للموضوع الواحد ،
سلسلة مقالات متتابعة قد تصل إلى سبع
حلقات أحيانا ، مما يضفي في واقع الأمر
على المقال طابع المحاضرة أو البحث ،
وهو أمر يجعل المقال خليطا من الخطبة
والمحاضرة ، والبحث .
ولعل طغيان الشخصية التعليمية على
أبي اليقظان أو غيره ممن يشبهه في هذه
الميزة ، من الأسباب التي تدفعهم الى
هذا النوع من التفصيل ، وأن جل كتاب عهد
الاصلاح معلمون في الكتاتيب أو وعائظ
في المساجد أو خطباء في المحافل ن وقد
يتصف الواحد منهم بهذه الصفات كلها ،
ويقوم المهام جميعها .
ولعل شعورهم بمسؤولية التوجيه
والتربية ، كانت تخلق في نفوسهم ما
يشبه الوسواس فيلحون على الموضوع
تدقيقا وتمحيصا ولا يرفعون أقلامهم
عنه حتى يهدا هذا الهاجس في داخلهم .
وكمثال على ما نزعم نحيل القارئ الى
المواضيع التالية : تجارتنا وتجارتهم ،
وباء الفجور ، التعاون الاجتماعي
وآثاره في الأمم والجماعات .
ثانيا
: الخصائص الفنية :
من خلال تتبعنا لمقالات أبي
اليقظان نقف على خصائص أسلوبه الفنية .
فإذا كانت الكتابة الصحفية في زماننا
هذا تجئ خلوا من البهرج والزينة ،
وعطلا من التعبيرات الرائعة ـ بحكم
التطور السريع الذي عرفته الكتابة
الصحفية ـ فان الأمر كان يختلف تماما
بالنسبة للكتابة الصحفية في
العشرينيات والثلاثينيات ، عندما كانت
هذه الكتابة فنا من الفنون الأدبية ،
لا تختلف في شيء عن النشر الفني يعتني
بها أصحابها العناية كلها ويولون
للشكل من الجهد قدر ما يستحقه المضمون
تماما . من هنا نفهم هذه العناية
الشديدة التي كان يوليها لمقالاته ولا
سيما الافتتاحيات منها ، مما أضفى
عليها مسحة أدبية واضحة .
هذه المسحة لا تتجلى في الأفكار
المنظمة المتسلسلة في انسجام وتنسيق
فحسب ، وانما تتجلى أيضا في لغتها
العربية السليمة ، وتراكيبها المنتقاة
بعناية ، وقربها الشديد من مصادر الأدب
العربي واستقائها منها .
وأبو اليقظان كان يفعل ذلك عمدا
واختيارا ، ويتخذه مذهبا في الكتابة ،
يراه من مكملات الفن الصحفي لذا فهو
يحتفل بمقالاته الاحتفال البليغ حيث
يقول :
"
.. اذا أعددنا موضوع المقال الافتتاحي
للعدد ، وكنا مشبعين بفكرته ولم يبق
لنا الا نسجه في ديباجة يستحقها ،
اخترنا له وقتا كافيا جامعا للفراغ
والنشاط الذهني ، خاليا من الهموم
والغموم ، ومكانا خاليا من الجلبة
والضوضاء ، واذا توفرت مع هذه الشروط
مناظر جميلة مثل حديقة " بارك دوقان
" (1) ومثل حديقة الحيوانات في الحامة
العاصمة ، أو مثل حديقة " البلفدير
" بتونس فحبذا حبذا ، والا راعيت في
مكان التحرير شرطين أساسيين ، الضوء
الكافيء ، وخلوه من الجلبة والضوضاء
وقد التزم مكان الحدائق الغناء اذا كان
الموضوع صعبا وعسيرا وشديدا " .
اذا كانت عناية أبي اليقظان بالظرف
الزماني والمكاني بمثل هذا الاحتفال
العظيم ، فان عنايته بأسلوب الكتابة ـ
وهو الأهم ـ لا تقل عنده أهمية عن
الاعداد للكتابة .
" .. اني كثير السخاء بتشطيب ما
يجب تشطيبه ، وتبديل ما يجب تبديله ولا
يهمني ذلك ، وانما يهمني الاجادة
ومطابقة الموضوع ، وجمال الأسلوب ،
وكمال التنسيق ، وانسجام المقال ، وقد
اتخذ مسودة ثم أبيض اذا كان الموضوع
شائكا أو ذا مسؤولية ".
إلى هنا ندرك إلى أي حد كان شكل
الكتابة وأسلوبها ذا مكانة مرموقة عند
أبي اليقظان ، ونتبين من خلال النصين
السابقين بأن الشكل عنده لا يقل قيمة
عن المضمون .
ان هذه الحفاوة بالأسلوب طبعت
كتابته ببعض المميزات التي نرى الوقوف
عندها وتبيانها من مكملات هذه الدراسة
، ولعل أبرز سمات الكتابة عنده تتلخص
فيما يلي :
ـــــــــــــــــــ
(1)
حديقة بارك دوقالون : تقع في مكان مشرف
يطل على الجزائر العاصمة ويطلق عليها
اسم : حديقة الحرية حاليا .
1.
الأسلوب الخطابي :
ونعني بالأسلوب الخطابي ما يغلب
على طريقة التعبير عنده من توجيه
الكلام مباشرة الى القارئ واستعمال
لأدوات الخطاب كحروف النداء ،
والاستفهام ، والتعجب ، والانكار ، وصب
كل ذلك في صيغ بلاغية مثيرة يقصد بها
غالبا الى اثارة انتباه القراء
والاستحواذ على عواطفهم ، ومن ثم فان
أبرز الصيغ التي يقدم بها جمله تكون
صيغا استفهامية تعتمد طريقة التساؤل
يستدرج بها القارئ غالبا الى متابعته
ومسايرته وضمان استيعاب ما يريد
ايصاله اليه من أفكار .
والحق أن هذه الطريقة غالبا ما
تجذب القارئ اذا كان منصفا ، أو تربكه
اذا كان عنيدا .
ونقدر بأنه من أهم العوامل التي
تدفع أبا اليقظان الى ايثار هذه الصيغ
عن غيرها ـ وهي طريقة تهدف إلى اثارة
العواطف وتنبيهها ـ الرغبة التي تكون
لدى رجال الاصلاح ، والدعاة ، والقادة
، والزعماء عادة في التأثير على
أتباعهم ومريديهم ، وليس ثمة أكثر
تأثيرا على وجدان المتلقي من الصيغ
المباشرة الخطابية فان ما يعتمده مثل
هذا الأسلوب من صيغ استفهامية ، بلاغية
، وتكرار ، تجعله أداة صالحة لتوضيح
الفكرة في ذهن القارئ واقتناعه بها ،
فاذا بها آخر الأمر باقية في ذهنه
وحدها بارزة ، لا تتعلق بها شائبة من
هاجسة أو شك .
وإذا كانت الأمثلة على هذا المنحى
الأسلوبي عند أبي اليقظان أوضح من أن
نسوق لها نموذجا ، فإنه لا بأس من أن
نستشهد هنا بهذه الفقرات التي
اقتبسناها من مقال يستحث فيه همم
العاملين من الأمة الجزائرية في بداية
نهضتها .
وقد آثر أن يوجه الخطاب إلى الأمة
الجزائرية أولا ، ثم إلى رجال الاصلاح
ثانيا ، وذلك حيث يقول :
" مسكينة أيتها الأمة الجزائرية
!؟ ..
إذا أنت لم تبك لآلامك فمن الذي
يبكي لك ؟ إذا أنت لم ترثي لحالك فمن
الذي يرثي للك ؟ إذا أنت لم تقومي
بمشاريعك فمن ذا الذي يقوم بها ؟ إذا
أنت لم تخدمي نفسك فمن ذا الذي يخدمك ؟
إذا أنت لم تستوردي منك رجالك لاجيائك
واعزازك فمن الذي يستوردهم لك ؟ ومن
أين ؟
.. مالي أراكم أيها السادة في نزاع
وشقاق ، وتطاحن على القشور والسفاسف ؟
وأمامكم أعمال كثيرة وأشغال خطيرة
أفواهها فاغرة ، ومجالاتها شاغرة !
.. ان الأمر ليس بالهزل ، والوقت
قصير ليس له من طول .. " .
وهكذا نلاحظ كيف تتغلب النزعة
العاطفية على ابي اليقظان ، وتستحوذ
على لبه الأحاسيس والمشاعر فيصدر عنها
قاصدا من وراء ذلك لايصال هذا الذي
يشعر به إلى قرائه ، محاولا أن ينقل
إليهم هذه الحرارة الوجدانية التي تثب
بها جوانحه ، وكأنه لا يجد ضمانا لهذه
الحرارة إلا في الصيغ الخطابية
المباشرة .
2.
الأسلوب التهكمي :
قد نعجب أن يلجأ كاتب مثل أبي
اليقظان إلى استعمال أسلوب ساخر وهو
غير ما عرف به من قصد في الكلام ،
وصرامة في المواقف ، وجدية في معالجة
الأمور ، ولكن قد يلجأ المرء أحيانا
لأن يعبر عن احساسه بأسلوب فيه غير
قليل من السخرية ، وهو أسلوب لا ينبئ عن
نفس مرحة ، ولا يعبر عن قلب رضي ، بقدر
ما هو تعبير غير مباشر عن الحزن والأسى
أحيانا ، وعن السخط والغضب أحيانا أخرى
.
وفي واقع المجتمع ما يدعو الكتاب
إلى معالجته أحيانا بمثل هذا الأسلوب
وكأني بهم يقابلون سخرية الناس بالقيم
والمبادئ ، بأسلوب ساخر مثلها ، أو
كأنهم يضطرون إلى مثل هذه الوقفة بعض
الوقت إذا أعياهم القول الجاد ،
والنظرة الصارمة . وفي تاريخ الصحافة
الجزائرية والمصرية والتونسية كثير من
الجرائد التي كانت متخصصة كلها
لأساليب التهكم والسخرية .
وقد طالعنا أبو اليقظان ببعض
المقالات التي آثر أن يعالجها بمثل هذا
الأسلوب وأظهرها تلك التي نشرها
بجريدة " البستان " التي تكاد تكون
في اتجاهها ومواضيعها فكاهية نقدية
كما أرادها .
والذي يبدو أنه كان لا يقصد إلى هذه
الطريقة إلا إذا أراد النيل من خصم ، أو
التعريض بموقف ..
فهو إذا أراد هذا النوع من السخر
راح يسمي الأشياء تسمية زائفة أو
معكوسة قصدا . تعبيرا عما يجده في نفسه
من أحاسيس المقت ، والكره ، والازدراء .
من ذلك هذه الفقرات التي نقتبسها
من مقال له كتبه اثر تعرض مطبعته "
مطبعة العربية " لحملة تفتيش من طرف
البوليس الاستعماري ، واستفزته تلك
الطريق الهمجية التي سلكها البوليس .
وعوض اللجوء الى أسلوب غاضب ثائر ،
لجأ إلى أسلوب السخرية مستغلا بذكاء
مناسبة تدشين المطبعة العربية ، فراح
يعرض بذلك العمل المتعسف بأسلوب يقطر
أسى وسخرية ومرارة بعدالة القرن
العشرين حيث يقول :
" جرت عادة الحكومات النظامية أن
تقيم حفلات ومهرجانات بعنوان ( التدشين
) للمشاريع الكبرى التي تنشئها أو تنشأ
تحت اشرافها .. وحيث أتممنا مشروع "
مطبعتنا العربية " ولم نقم بهذا
الواجب رأت الحكومة من اللائق بعظمة
المشروع أن تقوم بتدشينه هي فأرسلت
لجنة تتركب من حضرة " كوميسار "
البوليس وأعوانه لينوبوها في ذلك .
وبعد أن يصف بمثل هذا الأسلوب
الطريقة التي اتبعها البوليس في
التفتيش يستطرد قائلا :
ثم أن هذه اللجنة المحترمة لم تكتف
بهذا بل جاوزت حدود الأذن الرسمي فوهمت
أن لا يزال شبح " وادي ميزاب "
بمدفنه فقصدته بكل شجاعة ، ففتحت قبره
بدون حضور وليه فدارت في زواياه ، وبكل
أسف لم تجد الا غبارا متراكما على
مكتبته . ومن العجب أن لا يزال بعبع "
وادي ميزاب " ماثلا في المخيلات رغما
عن مضي عامين عن مصرعه ، وقد ذكرتنا هذه
القصة بقصة جحا ورفات الحمار " .
وهو يستعمل هذا الأسلوب في معالجة
بعض الأمراض الاجتماعية المتفشية
وكأنه يعبر عن تواطيء الناس في السخرية
بالمبادئ السامية ، بسخرية مثلها
ولكنها سخرية فيها أسى واشفاق .
فقد خيل إليه أن أبا كذابا منافقا ،
أوصى ابنه بوصايا تلائم الواقع المريض
الذي يعيشه الناس ، وساير نظرتهم
المعكوسة إلى الأشياء مجاراة لظروف
الزمان والمكان كما يقول : وهذه هي
وصايا الأب الكذاب لابنه : " كن
منافقا مرائيا ملاقا .. ففي كنف هذه
الصفة تعيش مملوء الجيب طويل العمر ،
واياك والصراحة ، والجهر بالحق فان هذا
مما يقصم ظهرك ..
كن خاملا كذابا تعيش خفيف الظل ،
عذب اللسان ، واياك والنصح والصدق فإن
هذا يجعلك مرموقا بعين الحنق
والاستثقال " .
ولكي يصور مبلغ ما يعانيه من هضم
للحقوق المادية لجرائده ـ ولطالما
اشتكى من هذه الظاهرة ـ لجأ هذه المرة
إلى هذه الطريقة التي جمع فيها بين
التعريض والسخرية بكيفية ذكية بارعة .
وذلك حيث يقول :" رأيت بعض الناس
يقولون بأعلى أصواتهم " الحمد لله
أدينا ما علينا نحو جريدتنا " فقلت
في نفسي أن غرضهم هذا ليس هو الناحية
المادية ، وانما الناحية المعنوية
فسألت أحدا عن ذلك فقال " ألم أقل لكم
في كل مناسبة أحسنتم " وهنا بقيت
حائرا وقلت " لعل هذه الكلمة تصرف
بمقدار عند أحد التجار الكبار أو
البنوك ، وهنا ذهبت إلى ( البنكة ) ودفعت
ورقة في ( الفيشي ) مكتوبا عليها "
أحسنتم " فغضب ( الكيسي ) غضبا شديدا .
ودهشت قائلا : أعوذ بالله من الأزمة حتى
صارت كلمة " أحسنتم " تصرف عندكم
بثمن الاشتراك " .
فالسخرية عند أبي اليقظان كما ترى
ليست ذات مسحة مرحة أو مضحكة وإنما هي
لون من التعبير عن السخط وعدم الرضا
بالواقع كما أشرنا إلى ذلك سابقا .
3.
الأسلوب الرمزي :
عرف الأدب العالمي والعربي منذ
القديم فنونا من القول يلجأ إليها
المضطهدون عندما يريدون التنفيس قليلا
عن مشاعرهم المضطرمة ، فاشتهر في الأدب
الفرنسي " فولتير " بقصصه ، "
ولافونتين " بخرافاته ، واشتهر في
الأدب العربي " ابن المقفع "
بكتابه كليلة ودمنة ، أما الصحافة
العربية ولا سيما المصرية والتونسية
منها فانها عرفت ضروبا من التعبير ،
وأفانين من القول تلجأ إليها لتفلت بها
من قلم المراقبة ، وقد عرفت الصحافة
العربية الجزائرية هي أيضا هذا
الأسلوب بحكم ظروفها القاسية .
وكان من بين من استعمل الأسلوب
الرمزي في كتاباته ، أبو اليقظان ، وقد
يبدو في قولنا هذا اذا قورن مع سابقه
بعض التناقض ، إذ قلنا سابقا بأنه
يمتاز في أسلوبه بالصراحة والقصد
بينما نقرر هنا بانه يستعمل الرمز أيضا
..
.. والواقع أنه لا تناقض بين
القولين ، فقد كان هذا الكاتب يلجأ إلى
الأسلوبين ويستعمل الطريقتين ، ولو
أنه كان إلى الصراحة أميل وإلى القصد
والمباشرة أكثر ايثارا .
ولم يعد غريبا أن يلجأ الكتاب
الصحفيون إلى أساليب الرمز والتعريض
في تلك الظروف القاسية الرهيبة التي
كانت الصحافة العربية تعيشها تحت حكم
مستعمر يحاسب على الخاطرة ويعاقب على
الهمس ، بل لعا الغرابة أن لا يكون
أسلوب الصحافة آنئذ رمزا كله .
على أنه حتى هذا اللون من التعير لم
يسلم من سيف الرقابة المسلط ولم ينج
أصحابه من الاستجوابات المضيقة .
وللرمز طرق من التعبير متنوعة ،
وأفانين من القول عديدة ، يستعملها
الكاتب تحايلا ، أو تلميحا ، أو تعريضا
، وقد وجدنا أبا اليقظان يستعملها
جميعا على النحو الذي سنبينه .
1.
طريقة الرؤى والأحلام :
كثيرا ما يلجأ الكتاب إلى التحايل
متسترين بالرؤى والأحلام ، مدعين بأن
ما يقولونه أو ما يرونه انما رأوه في
المنام ، وكأنهم يريدون القول بأنهم
كتبوا ما كتبوه باملاء من اللاشعور ،
فليس عليهم فيما ينقلونه من نقد أو
تجريح من ملام ، لأن المسؤولية لا
يتحملها اللاوعي ، وأن ليس على الانسان
من حرج فيما يراه أو يقوله في أحلامه ،
وبهذه الحيلة البارعة يتسنى لهم
الافصاح بكثير من الأشياء التي كانوا
يتحرجون من ذكرها وهم في حالاتهم
العادية ، وفي كامل قواهم العقلية ،
ومن أشهر من استعمل هذه الطريقة في
أدبنا العربي أبو العلاء المعري في
كتابه الشهير " رسالة الغفران "
وابن شهيد الأندلسي في رسالته "
التوابع والزوابع " والمويلحي في
" حديث عيسى بن هشام " . أما
أبواليقظان فنلتقي معه في هذا النوذج
الذي نسوقه كمثال على هذا الأسلوب الذي
كان يستعمله أحيانا .
" عندما أخذت مضجعي ، وأخذ الكرى
بمعاقد أجفاني ، رأيت كأن رجلا جميل
الطلعة شديد بياض الثياب ، أخذ بيدي
فقال : هيا بنا نأخذ حظنا من النزهة في
حديقة ( الحامة ) وعندما استوى بنا
الجلوس في كرسي تحت ظلال الأشجار
الباسقة قال : اني أبشرك ببشائر تهمك ،
وتفعم نفسك سرورا ، فقلت هات يرحمك
الله ما عندك فقد كادت النفس تحترق
بؤسا وابتئاسا فقال : نحن نعلم والله
والملائكة والناس أجمعون أنكم تحملتم
كثيرا من الارهاق والعذاب ، فابشر أن
السعادة قد بدأت تلاحظكم بعينها ،
فيعود العسر يسرا ، والشدة رخاء ،
والعبودية حرية ، ستتلاشى قريبا هذه
الأزمة (1) ، وترجع الحركة الى مجراها ،
وتحرر الصحافة العربية من أغلالها
وتطلق حرية ما أقفل منها ، وتفتح أبواب
المساجد في وجوه الدعاة ، والمرشدين
وأبواب المدارس القرآنية في وجوه
أبنائها .. وتخفف الضرائب عن الأهالي
ويرفع كابوس الجندية ، وتبنى الملاجي
والمستشفيات ، للأهالي ، وتجرف
مستنقعات المواخير والحانات الى قاع
البحر ، وتكسح أعشاش الجهل وأوكار
الشيوعية والفوضوية والبؤس والشقاء من
البلاد ..
ويعيش الكل في دائرة الدين ومنطقة
العلم ، ومحور النظام .. وبينما أنا
غارق في بحر هذه الأحلام ، إذا بآذان
الصباح يرن .. " .
من الواضح الجلي هنا بأن ما يريد
الكاتب قوله من وراء هذه الرؤيا هو
التعبير عما يقض مضاجع الجزائريين من
ألوان العسف ، والاضطهاد العسكري وهو
أمر قد يتعذر على المرء البوح به أو
انتقاده في أسلوب صريح مباشر .
ــــــــــــــــ
(1)
يريد بذلك الأزمة الاقتصادية التي
شهدها العلم كله في هذه السنين .
وجود
القوانين الاستثنائية التي كان
الاستعمار يطبقها على الجزائريين ،
ومن أسوأها ذلك القرار الذي صدر عن
الولاية باغلاق المساجد أمام "
جمعية العلماء " .
وهو
يريد أن يقول للجزائريين أيضا ،
وبطريقة ايحائية بأن طمعكم في أن ترد
الحكومة الفرنسية لكم حقوقكم المشروعة
، هو بمثابة الحصول على الوهم وقبض
للريح ، وهي أشياء مستحيلة لا يحصل
عليها الانسان الا في المنام ، وتأكيدا
لايصال هذه المعاني لقرائه ختم فصله
ذاك بقوله " وبينما أنا غارق في بحر
هذه الاحلام اذا بآذان الصباح يرن ،
فاستيقظت على صوته ، فوجدت نفسي في
فراشي .
ولابراز
هذه المعاني في ذهن القارئ أمضى مقاله
باسم مستعار هكذا ( نائم ) . وهذه
التسمية في حد ذاتها لها دلالتها التي
لا تخفى .
2.
الحــــوار :
اجراء الحوار بين شخصين متخيلين أو
بين عدد من الأشخاص أو الأشياء أو
المعاني المجردة بأن ينفخ الكاتب فيها
الحركة والحيوية ، فمن آخر من فنون
الرمز وأساليبه التي طالما عبر الكتاب
بواسطتها وعلى لسانها ، عن أفكارهم
الجرئية أو انتقاداتهم الجارحة لا
سيما اذا كان دون ملل أو تأفف ، وهي
طريقة لها من ناحيتها الأدبية
الجمالية متعة أكبر وفائدة أكثر من
الطرق المباشرة الأخرى .
ولا يخفى ما في هذه الطريقة من
حيوية وايحاء تجعل القارئ يتتبع
الحوار بلذة ، وينساق وراء ما يجري من
كلام على لسان المتحاورين المعني
بالأمر من أصحاب النفوذ أو السلطة
الاجتماعية أو السياسية لا يرغب في ذكر
أسمائهم لاعتبار أو لآخر .
وكان يستعمل أبو اليقظان هذه
الطريقة من حين لآخر ، ومن أبرزها تلك
السلسلة من المقالات التي كان يعرض
فيها بخصوم الحركة الاصلاحية بميزاب ،
تحت عنوان " حديث المفلسين " وهي
محاورة شبه مسرحية أجراها على لسان
زعماء المحافظين الذين يطلق عليهم
أسماء فكاهية مضحكة ، ويعبر على
ألسنتهم بما يشعرون به من مشاعر الخيبة
والفشل من عدم نجاح مخططاتهم في القضاء
على الحركة الاصلاحية .
ويدخل في هذا النطاق تلك السلاسل
التي ينشرها من حين لآخر منتقدا
المواقف الانهزامية من القضايا
الوطنية . من ذلك هذه الفقرات التي أجرى
الحوار فيها على لسان عصفورة معرضا
بالسياسة الاستعمارية المجحفة
ومواعيد فرنسا الكاذبة التي وعدت بها
الجزائريين بعد الحرب العالمية الأولى
فأخلفت ما وعدت رغم ما قدموه في سبيلها
من تضحيات غالية .
" سألت عصفوري ذات يوم عن أمر جاش
في صدري ، وكان العصفور ذكيا شيطانا ،
فأجابني عنه بما أقنعني وتركني باهتا
لاصابة نظرته وهو :
ـ
لماذا تكره النياشين اذا رأيتها معلقة
على صدور ذوي اللحي والبرانيس
بأنواعها .. ؟
ـ
عصفوري : نعم أكره هذا أكثر من رؤيتي
الصياد وعلى كتفه بندقية ليقتنصني .
ـ
ولماذا ؟
عصفوري
: لأن هذه النياشين بلونها الأحمر
تذكرني بجريان الدم في رقاب وحواصل
اخوتي العصافير المذبوحة بيد الصياد ،
ولهذا أتشاءم منها كلما رأيتها أو سمعت
عنها .
فقلت
: صدقت والله أيها العصفور الحر ، فلتعش
حرا طليقا رغما عن الانسانية المعذبة (
فلاح البستان ) .
ولعل أبا اليقظان اتبع في هذا
الأسلوب طريقة " بيدبا " الفيلسوف
في محاوراته مع الحيوانات في كتاب "
كليلة ودمنة " فقد كان يعتبر هذا
المؤلف من الكتب القيمة التي تأثر بها
وأعجب بها أيما اعجاب ، وكان كثير
القراءة له ، طويل التفكير والتأمل في
محتوياته ، مأخوذا بخفة روحه وبديع
جماله .
|